الضــــــيف «الخفــــــيف»

هشام توفيق ترددت كثيرا في اختيار موضوع أول مقال لي في «المال»، خاصة وأنها الكتابة الأولي لي بعد احتجاب عن الأوساط المالية والصحافة دام أكثر من عامين وقد اخترت احتراما...

هشام توفيق

ترددت كثيرا في اختيار موضوع أول مقال لي في «المال»، خاصة وأنها الكتابة الأولي لي بعد احتجاب عن الأوساط المالية والصحافة دام أكثر من عامين وقد اخترت احتراما لعقول القراء الموضوع الأكثر أهمية، من وجهة نظري، والذي أؤمن بحق أنه جوهر مشكلتنا الاقتصادية في البلدان العربية ألا وهو انعدام المساءلة Accountability .


فالأصل في الدول نصف المتحضرة أن الحاكم هو وكيل عن المجتمع في إدارة شئونه، ويفترض وصوله الي قمة مؤسسة الحكم بناء علي برنامج اجتماعي ــ اقتصادي ــ سياسي له أهداف معينة كما أن استمراره في الحكم يكون مربوطا بتحقيق تلك الأهداف. وعندما يختار الحاكم معاونيه من وزراء ومحافظين ورؤساء هيئات.. الخ.. يكونون مسئولين Accountable أمامه عن تنفيذ برنامجه كما هو مسئول أمام المجتمع عن منظومة الحكم ككل.

وأزعم أن نجاح المجتمعات الغربية في رأيي نابع من قوة الفرد وإحساسه بقدرته علي مساءلة النظام الحاكم وتقييم أدائه وترسيخ مبدأ المساءلة من قاع المجتمع حتي قمته. أما الحاكم في مجتمعنا العربي فهو قدر من عند الله لا يجوز مساءلته وهو غير قابل للنصح والتقويم ولدي الفرد العربي قناعة راسخة أنه يعيش علي هامش المجتمع وفي معية الحاكم ويفسر البعض ذلك لأسباب نفسية متعلقة بالدين حيث تمتع الحاكم في منطقتنا لمدد تاريخية طويلة بألقاب دينية أعطته قدسية وحصانة وأبقته بعيدا عن المساءلة، وهو تفسير لايبدو مقنعا إذا ما نظرنا إلي التجربة الأوروبية فالأوروبيون حكمتهم الكنيسة بقوة وحزم لمدد أطول من حكم الخلفاء لنا، ولكنهم تمكنوا من التحرر وأصبح في نفوسهم فصل كامل بين الحاكم والهيئة الدينية.

ومن هنا دفعني فضولي إلي محاولة تلمس الحقيقة وراء ضعف انتماء الفرد العربي لمجتمعه وسلبيته تجاه حكامه ورجعت إلي التاريخ أستقي منه معلوماتي.

ونقطة البداية التي وجدتها هي العام المائة بعد الميلاد، قبل ظهور الإسلام بأكثر من خمسة قرون حيث كانت دول الشام ومصر والمغرب حينئذ واقعة تحت الاحتلال الروماني، كما كان لكل منها ثقافتها ولغتها المختلفة، الآرامية في الشام والقبطية في مصر والبربرية في المغرب وفي الوقت الذي كانت فيه هذه البلاد منفتحة نسبياً علي العالم كان العرب الأوائل وهم ساكنو الجزيرة العربية يعيشون في فقر مدقع لقلة موارد تلك البلاد والتي لم تكن تغري علي الإطلاق باحتلالها من قبل القوتين العظمتين اللتين كانتا تسودان العالم في ذلك الزمن وهما الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية.

وقد انشغل الكثير من قبائل العرب لقرابة ألف عام قبل مجيء الإسلام بقطع طرق قوافل الحرير والتوابل القادمة من الصين والهند والقاصدة بلاد الروم وقد حاول بعض الملوك والقياصرة محاربة العرب لحماية تجارتهم وبضاعتهم فنجحوا مرات وفشلوا مرات اكثر لدهاء العرب ومعرفتهم بدروب الصحراء فانتهوا الي ضرورة مهادنة الشيوخ ودفع إتاوة لهم لضمان سلامة قوافلهم وكان القياصرة إلي جانب دفع الإتاوة، يغدقون علي شيوخ القبائل بالألقاب والألعاب والهدايا ليكسبوا ولاءهم وهو ما لم يحدث فالعرب كان ولاؤهم لمن يدفع اكثر من الروم أو الفرس.. أو كليهما معا. في تلك الفترة كانت وسيلة الثراء الوحيدة لعربي فقير، ولكن طموح، هي تكوين عصابة أقوي من عصابة الشيخ لهزيمته وفرض نفوذ جديد وعند حدوث ذلك كان يسارع الروم أو الفرس بالاعتراف بالشيخ الجديد والذي ما أن تتحول الإتاوة والألقاب والهدايا إليه حتي يسارع بتشييد قصره وسط الصحراء ويجتذب القصر بأنواره البدو الذين يتكاثرون كالهموش حوله ليقيموا في نعيم الشيخ ويأكلوا من فتات طعامه، ولا بأس من قليل من التجارة حتي وإن كانت في الرقيق الأبيض لإرضاء نزوات الشيخ وأتباعه والبدو لم يكونوا أبدا قانطين من حياتهم بل كانوا يحمون نظام الشيخ ويحتمون به في نفس الوقت إلي حين ظهور شيخ آخر واستمرت تلك اللعبة مئات السنين إلا مائة وخمسين سنة ( 380م ـ 530م) تصالح ملوك الروم والفرس فيها لم تعد القوافل تمر ببلاد العرب فاختفت الإتاوة وغدت «مدن» القوافل العربية أطلالا بعد أن هجر الشيوخ قصورهم لعدم قدرتهم علي إطعام رعاياهم وجاء تيار الإسلام الجارف عام 630م ليغير في سنوات قليلة (حكم الرسول صلي الله عليه وسلم لمدة عشر سنوات فقط) وبصورة جذرية طباع العرب الغليظة ونظرتهم للحياة فأصبح للمسلمين قضية تجمعهم وهي نشر الدعوة والدين واجتهد العرب المسلمون في طلب علوم الدنيا من بقاع الارض ودرسوها وطوروها وأعادوا تصديرها الي العالم وتحققت الشعوب المجاورة من صدق الدين الجديد وإخلاص العرب الجدد لدينهم الذي أصبح دنياهم وأسلوب معيشتهم فكان الفتح وراء الآخر واستقرت الأنظمة الإسلامية وسادت اللغة العربية.

وتفوقت الحضارة الاسلامية علي الحضارتين السائدتين حينئذ في العالم واستمر التفوق لمدة أربعة قرون إلي ان نسي كل من الحكام العرب والمسلمين قضيتهم فرجعوا الي عادتهم الاصيلة في قطع الطريق كما ظهرت علي الساحة قوة «إسلامية» جديدة هي الدولة العثمانية، ومن المعروف أن الأتراك هم الآخرون قوم غلاظ ولهم تاريخ طويل في قطع الطرق علي نفس قوافل الحرير والتوابل التي كانت تسلك الشمال لبلاد الروم وجاء نوع جديد من الشيوخ هم المماليك ليمارسوا أنواعا جديدة هي الأخري من قطع الطريق والبلطجة، وأصبحت الإتاوة تفرض علي أولاد البلد وليست علي القوافل الاجنبية المارة بالبلاد وبالغ الحكام الجدد في جباية الضرائب وكانت وسيلة الثراء الوحيدة في تلك الفترة، للمواطن «العربي» الفقير ولكن الطموح، هي التعلق بذيل الحاكم وسحق أهله وعصرهم ليناله بعض الغنيمة.

إن نظرة متمعنة لأنظمة الحكم في منطقتنا العربية، أو التي تم تعريبها بفعل الفتوحات، تكشف أنها أسست علي مدي اكثر من ألفي عام بإستثناء قرابة أربعة قرون بعد ظهور الإسلام مباشرة علي صورة أو أخري من الجباية مصحوبة ببلطجة وقطع طريق، وهي الصفات التي فرضها العرب والأتراك علي المنطقة واتخذت الجباية أشكالا متنوعة من الرسوم والضرائب منها ضريبة محليات وضريبة مرتبات وضريبة جمارك وضريبة مبيعات.. الخ.

أما البلطجة وقطع الطريق فقد انتشرت بصورة متزايدة وعلي مختلف مستويات السلم الاجتماعي، فعلي القمة تم تقنينها تحت مظلة الوكالات التجارية والعمولات وعلي المستوي المتوسط سميت إكرامية أما علي المستوي الادني فهي «فردة» ولم تألو أنظمة الحكم علي مر العصور جهدا في ترسيخ أسلوب الجباية والبلطجة بدلا من تشجيع التنافس والتنمية وهي بالقطع لم تحاول التواصل مع العالم الخارجي والتعامل معه وفكرة المواطنة هي فكرة أجنبية دخيلة علي انظمتنا فالحكم كان ولازال يتعامل مع المواطنين تعامل الشيخ مع البدو فالمواطنون في نظر الحاكم هم بصفة عامة عالة ولا يتوقع منهم النهوض بالمجتمع، وبالتالي لا مجال للإهتمام بخطط العمل اللازمة لتنظيم أعمالهم ومساعدتهم علي النمو، ففي النهاية الشيخ وأتباعه هم المسئولون عن القبيلة (المجتمع) والفرد العربي يعيش في المجتمع كالضيف لاحق له في مناقشة حكامه كما أن القاعدة السائدة هي أن الشيخ يجتهد و يربح فيعطي الرعايا الضيوف الذين بالطبع لا يجوز لهم مساءلته، فأية حقوق للضيوف؟