السابقة الفرنسية في قانونها الجديد 351 / 2026 خطوة لإعادة فحص الاستحواذات القديمة على الممتلكات الثقافية في ضوء العدالة التاريخية وتطور مفهوم السيادة وحقوق الشعوب، لمحاولة سد مُسبق لجدلية الدول المطالبة بآثارها عند مناقشة مدى عدالة وقانونية حيازة ممتلك ثقافي انتقل في الماضي، خصوصاً إذا تم الانتقال في ظروف استعمارية أو غير متكافئة، وبالتالي غلق مدى صلاحية القوانين والقرارات والإجراءات التي صدرت في ظل استعمار أو نفوذ أجنبي لأن تنتج آثاراً دائمة على التراث الوطني الفرنسي (وهو ما يمس مباشرة مفهوم شرعية البيئة القانونية الاستعمارية).
ومن هنا أتى القانون الجديد لتدارك نظام قانوني استعماري معيب، بمحاولة السيطرة على تفسير وضبط مجموعة قواعد وإجراءات نشأت أو عملت في ظل اختلال سيادي، فأعطى مظهراً قانونياً لتصرفات لا تستند لإرادة وطنية كاملة، مما قد يبرر للدول المطالبة بحقوقها في طلب هذا النظام القانوني بالكامل! وهو ما يكسر هجوم الدول المطالبة ضد فكرة التقادم الاستعماري بالافتراض الضمني بأن مرور الزمن كافٍ لتحويل آثار الاختلال الاستعماري لأوضاع نهائية غير قابلة للمراجعة، والتحدي بحق الشعوب في مراجعة ما نشأ خلال فترات انتقاص سيادتها. غير أن السابقة الفرنسية ستتسبب في حرج قانوني تاريخي لأعضاء (نادي ورثة الغزو) في اعتماد شرعية حيازتهم للآثار التي تستمد قوتها من الاعتياد والزمن أكثر مما تستمدها من سلامة منشأها. من هنا ظهرت هندسة القانون الفرنسي الجديد لاستخدام أدوات القانون ذاته لتنظيم آثار علاقة غير متكافئة ومنحها مظهراً من الشرعية، التفافا على حق الدول المطالبة بالتصحيح السيادي لإعادة تقييم أو تعديل الآثار القانونية التي نشأت خلال فترات السيادة المنقوصة! وهي من الحالات الفريدة للاختلال المقنن كحالة يتحول فيها اختلال القوة إلى قواعد وإجراءات تمنحه مظهراً قانونياً دائماً، وهو ما حاوله القانون 351/ 2026 بإخراج نظام التقاسم وما تم باتفاقيات قبل النطاق الزمني للقانون الجديد، لتوافق استمرار الاستحواذ الفرنسي على الإرث المصري والصيني مع النصوص والإجراءات السارية وقت وقوع التصرف في استيلائها على هذا الإرث. ومن هنا يمكن فهم مراوغة القانون للمشروعية التاريخية حول مدى اتساق وضع قانوني قائم مع الظروف التاريخية التي نشأ فيها للمحافظة على المكتسبات الحقيقية للمجموعات والمتاحف الفرنسية، وكذلك استيعاب هندسة وسيطرة فرنسا على السردية القانونية الأجنبية للاستيلاء على الآثار بتقديمها للحجة الرئيسية للمؤسسات والمتاحف الحائزة بتوفير السند في إذن وقتي أو قسمة، ثم تصحيح لاحق بهبة/قانون ثم مصطلحات المتحف العالمي والحفظ والعرض العام. السيطرة على هندسة تفكيك المعاني وإعادة توصيف السردية وقواعد التعامل مع الرد، تمنح ظاهرا سردية عامة تربط مراجعة الاستحواذ بردّ الاعتبار المدني والمعرفي للدول المطالبة، وتفرغه من معناه كثأر قومي! وفرنسا بتلك الهندسة المقصودة تتجنب مجادلات الدول المطالبة حول مدى المشروعية التاريخية الشكلية والمشروعية السيادية والأخلاقية! سواء المشروعية الشكلية بسؤال هل وُجد إذن/إجراء وقتها؟ أو السيادية، بهل عبّر الإجراء عن إرادة وطنية حرة؟ أو المشروعية الأخلاقية بهل حفظ هذا الاجراء المصلحة العامة والكرامة والإنصاف؟ وبالتالي استبق القانون تصميم إستراتيجية فرنسية دفاعية تعتبر أن ما وقع زمن الاستعمار قد أُغلق قانونياً داخل زمنه، فلا معنى لفتح ملفه اليوم إلا بقدر ما تسمح به وتجيزه!
عند هذه المرحلة ينقلنا القانون الفرنسي الجديد لفكرة أخطر حول العلاقة بين المعرفة والسيادة؟ ففي التراث من يسيطر على التنقيب، الوصف، التصنيف، النشر، والعرض يسيطر جزئياً على تعريف الماضي نفسه؛ وهذه سلطة شبيهة بالسيادة الرمزية، فمن يُعرّف الأثر يقترب من امتلاكه، وهذه من أسرار إخراج القانون للحقبة الفرنسية في التعامل مع الآثار المصرية والصينية، ليدخله في حظيرة الاقتناء المشروع أو اقتناء يجمع بين السند الصحيح والمنشأ الموثق والعناية الواجبة وعدم الارتباط بحفر غير مأذون أو غير علمي! تأطيرا لفكرة “حين تصبح القواعد أقوى من حقيقتها”! لأن غير ذلك سيجعل من حق الدول أصحاب الحقوق مناقشة الاستحواذ غير المشروع، المعتبر أوسع من مجرد مخالفة القانون الساري وقتها! فقد يكون التصرف مطابقاً شكلاً لنص قديم، لكنه غير مشروع موضوعياً لأنه صدر في بيئة استعمارية مختلة. فإذا كان القانون 351/ 2026 اعتبر القانونية الشكلية بحسم مطابقة التصرف للنص والإجراء وقتها، إلا أن ذلك لا يعفيه حتما من الرد على سلامة المشروعية التاريخية بمدى سلامة التصرف في ضوء السياق والسيادة والعدالة!
وبالتالي إذا غنم القانون الجديد إعادة فتح ملف مشروعية الاستحواذات التاريخية بشروطه، فعليه غُرم مناقشة إخراج ملف الآثار من خانة “المطالبات العاطفية” لخانة “الفحص القانوني لمنشأ الحيازة” وكيفية الرد وتفنيد المفهوم القانوني (لنقص السيادة المصرية) في امتلاك إرادة مستقلة كاملة في إدارة قراراتها الجوهرية، ومنها إدارة الآثار، وبالتالي إثبات أن الإرادة القانونية التي سمحت بخروج الآثار كانت إرادة منقوصة لا مكتملة. خاصة أن طريقة إدارة التراث المصري في ظل نفوذ أجنبي واسع (السيادة العثمانية، الاحتلال الفرنسي، والاستعمار البريطاني) ممثلة في بعثات، امتيازات، قسمة، تصاريح، خبراء أجانب، ومتاحف أوروبية مستفيدة، يثبت إظهار أن خروج الآثار لم يكن وقائع فردية، بل نتيجة إدارة كاملة ذات بنية استعمارية بقرار مؤسسي أجنبي، فبعثات التنقيب ونظام التقاسم لم تكن مجرد علماء، بل كانت جزءاً من منظومة إدارة التراث المصري في ظل سيادة منقوصة. وعليه، فالعلاقة مع القانون الفرنسي الجديد 351/ 2026 لا يلخص القضية في مجرد مناقشة استرداد آثار خرجت من مصر، بل في مراجعة مشروعية الاستحواذات التاريخية التي تمت في ظل بيئة قانونية استعمارية أو شبه استعمارية، حيث قد تتوافر القانونية الشكلية طبقاً لنصوص ذلك الزمن (كما يريد القانون الجديد)، بينما تغيب المشروعية التاريخية والموضوعية بسبب نقص السيادة واختلال الإرادة وغياب التكافؤ. وهو ما يجعل سابقة فرنسا في إعادة كتابة التاريخ تستلزم بالضرورة مناقشة الهيمنة الاستعمارية والاستحواذ غير المشروع، كعلاقة بين اختلال القوة السياسية وبين انتقال الأصول الثقافية من المجتمعات الخاضعة للقوى المهيمنة، وهو ما يفكك الحيازة والسيطرة الفرنسية الفعلية على الآثار المصرية والصينية أو ما استثنته من تطبيق القانون الجديد، لمناقشة وتفنيد حق ملكيتها القانوني أو التاريخي الأعمق في الإجابة عن سؤال من هو صاحب التاريخ في الآثار: الدولة أم الشعب؟ باعتبار أن الآثار جزء من السيادة الوطنية لا مجرد أشياء قابلة للتداول أو العرض، بوصفها حقا سياديا لا سلعة ثقافية.
وهنا يجب في تأملنا للسابقة الفرنسية التساؤل حول مدى وفائها للتوازن بين القيمة العالمية للأثر وارتباطه بهوية وسيادة الدولة الأصلية؟ فآثارنا المصرية ليست مجرد بقايا تاريخية، بل امتداد مادي للهوية القانونية والسياسية لمصر وشعبها، وهو ما يجعلنا نفكر ونناقش ونحلل الآثار ليس كقطع متحفية ولكن كمكون سيادي مصري، وأصول لا تقاس فقط بقيمتها المالية، بل بقيمتها الرمزية والسيادية والحضارية، وهو ما يتطلب حتما تدبر مدى قانونية نظام القسمة، وشرعية الحيازة، ونهائية الملكية بوصفها أموراً محسومة مسبقا من وجهة نظر القانون، لعرض ومناقشة ما يمكن تسميته بـ(الانتقال الثقافي البغيض)؟ وهو أيضا ما يستدعي مناقشة مدى تعبير مواد القانون 351/ 2026 عن استيعابه لهذا المفهوم الذي يشمل فحص اللحظة الأولى التي انتقلت فيها القطعة من موطنها الأصلي إلى كل أعضاء نادي ورثة الغزو؛ هل كان هذا الانتقال مشروعاً في أصله أم لا – بغض النظر عن أي نطاق زمني أو جغرافي أو هندسة قانونية ذكية؟
وللحديث بقية!
* محامى وكاتب مصرى
[email protected]