بين الاحتمال والوهم.. ماذا تعلمنا فيزياء الكم عن هلوسة الذكاء الاصطناعي؟

مع التأمل سنكتشف أننا نشأنا جميعًا على تصور بسيط للعالم:

حاتم زغلول

في كل مرحلة فارقة من تاريخ العلم، كان الإنسان يضطر إلى مراجعة أفكاره الراسخة عن العالم. ففي مطلع القرن العشرين، جاءت فيزياء الكم لتقلب كثيرًا من المسلمات التي بدت بديهية لعقود طويلة، إذ اكتشف العلماء أن القوانين التي تحكم عالم الذرات والجسيمات الدقيقة تختلف جذريًا عن تلك التي نعرفها في حياتنا اليومية.

وبعد أكثر من قرن، يواجه العالم تحديًا معرفيًا جديدًا مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي بات قادرًا على إنتاج نصوص وتحليلات وصور تبدو غاية في الإقناع، لكنها قد تتضمن معلومات غير صحيحة يتم عرضها بثقة كاملة، فيما عرف بظاهرة “هلوسة الذكاء الاصطناعي”.

قد يبدو الربط بين فيزياء الكم والذكاء الاصطناعي بعيدًا للوهلة الأولى، فالأولى تبحث في سلوك المادة والطاقة، بينما الثانية نتاج علوم الحاسوب والبيانات.

غير أن الرابط بينهما ليس تقنيًا، بل فلسفي ومعرفي؛ فكلاهما يدفعنا إلى إعادة التفكير في مفهوم اليقين، وحدود المعرفة، وكيفية الوصول إلى الحقيقة.

● عندما يصبح الحدس مضللًا

مع التأمل سنكتشف أننا نشأنا جميعًا على تصور بسيط للعالم:

الأجسام لها مواقع محددة، والأحداث يمكن التنبؤ بها إذا عرفنا أسبابها.

لكن فيزياء الكم أظهرت أن هذا المنطق لا يصلح دائمًا عند الانتقال إلى العالم شديد الصغر.

الإلكترون،على سبيل المثال، لا يتصرف كما تتصرف كرة صغيرة يمكن تتبع حركتها بسهولة، بل تظهر له خصائص موجية وجسيمية في الوقت نفسه، كما أن بعض خواصه لا يمكن تحديدها بدقة كاملة في اللحظة نفسها وفق مبدأ عدم اليقين الذي صاغه العالم “فيرنر هايزنبرج”.

ولذلك قال الفيزيائي الشهير “ريتشارد فاينمان” عبارته التي أصبحت من أشهر مقولات العلم:

“أعتقد أنني أستطيع أن أقول بأمان إن لا أحد يفهم ميكانيكا الكم”

ولم يكن يقصد أن العلماء يجهلون قوانينها أو يعجزون عن استخدامها، بل إن الصورة التي يقدمها العالم الكمي تتجاوز حدسنا الذي تشكل في عالم الأجسام الكبيرة.

فالإنسان يفكر وفق خبرته اليومية، لكن هذه الخبرة نفسها قد تصبح مضللة عندما نحاول تطبيقها على الإلكترونات والفوتونات.

إن العالم الكمي لا يخالف المنطق، بل يخالف توقعاتنا نحن.

أما “ألبرت أينشتاين”، فرغم إسهاماته الجوهرية في الفيزياء الحديثة، ظل متحفظًا تجاه فكرة أن الاحتمال يمثل عنصرًا أساسيًا في الطبيعة، وهو ما عبر عنه بقوله الشهير:

“إن الله لا يلعب النرد”.. لقد كان يعترض على تصور أن العالم في أساسه يقوم على احتمالات لا على حتمية كاملة.

لكن التجارب اللاحقة، خصوصا في التشابك الكمي، أظهرت أن غرابة الكم ليست مجرد نقص في معرفتنا، بل جزء من بنية العالم كما نرصده. وأثبتت رد بوهر على مقولة أينشتاين

“الله حر في كونه”.

إلا أن التجارب اللاحقة دعمت التنبؤات الكمية بدقة مذهلة، لتؤكد أن عدم اليقين ليس مجرد نقص في أدوات القياس، بل جزء من الطريقة التي يعمل بها العالم المجهري.

وهنا يكمن أحد أهم دروس العلم: التقدم لم يتحقق بمحاولة إنكار عدم اليقين، بل بفهمه والتعامل معه بأدوات علمية دقيقة.

● هلوسة الذكاء الاصطناعي... خطأ أم نتيجة طبيعية؟

إذا انتقلنا إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، سنجد أنفسنا أمام سؤال مختلف لكنه قريب في جوهره. فهذه النماذج تستطيع إنتاج إجابات متماسكة وسريعة، لكنها قد تخترع مرجعًا علميًا، أو تنسب تصريحًا إلى شخص لم يقله، أو تقدم تحليلًا يبدو منطقيًا رغم افتقاره إلى الدليل.

... يطلق على هذه الظاهرة اسم “الهلوسة”. إلا أن هذا المصطلح قد يكون مضللًا إذا فهمناه على أنه يشير إلى خلل متعمد.

فالذكاء الاصطناعي لا “يكذب” بالمعنى الإنساني، لأنه لا يمتلك وعيًا أو نية أو معرفة بالحقيقة. إنه يبني إجاباته اعتمادًا على الاحتمالات الإحصائية التي تعلمها من كميات هائلة من البيانات.

بمعنى آخر، فهو لا يبحث أولًا عن “الحقيقة”، وإنما يتوقع التسلسل اللغوي الأكثر احتمالًا. ولهذا قد تكون إجابته صحيحة ومبهرة، وقد تكون مقنعة لكنها خاطئة في الوقت نفسه.

وهنا يظهر التشابه الفلسفي مع فيزياء الكم. ففي الحالتين نتعامل مع عالم تحكمه الاحتمالات، لكن مع اختلاف جوهري: ففي فيزياء الكم تخضع الاحتمالات لقوانين رياضية دقيقة تؤكدها التجارب، أما في الذكاء الاصطناعي فإن الاحتمال اللغوي لا يكفي وحده لإثبات صحة المعلومة، بل يحتاج دائمًا إلى التحقق من المصادر والسياق.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج إجابة؟ بل أصبح: كيف نميز بين الإجابة الصحيحة والإجابة المقنعة فقط؟

إذا كان عالم الكم قد يعلم العلماء أن عدم اليقين ليس عيبًا في الطبيعة، بل خاصية من خصائصها، فإن الذكاء الاصطناعي يضعنا أمام نوع مختلف من عدم اليقين. فهو لا ينتج معرفة بالمعنى التقليدي، بل يبني استنتاجاتهاعتمادًا على أنماط واحتمالات لغوية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع الآلة أن تجيب؟ وإنما: كيف نتحقق من أن ما أنتجته يستحق أن يتحول إلى معرفة يمكن الوثوق بها؟ ومن هذا السؤال تبدأ أهمية القياس في العلم، والتحقق في الذكاء الاصطناعي.

● من القياس في الكم إلى التحقق في الذكاء الاصطناعي

ربما تعلمنا فيزياء الكم أن القياس ليس مجرد خطوة أخيرة بعد الوصول إلى النتيجة، بل هو جزء أساسي من فهم الظاهرة نفسها. فلا يكفي أن نمتلك فرضية أنيقة أو معادلة جذابة؛ بل يجب أن تخضع للتجربة والاختبار والتكرار.

والدرس ذاته يفرض نفسه اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي. فالإجابة التي ينتجها النموذج ليست نهاية رحلة المعرفة، وإنما بدايتها. وكل معلومة يقدمها ينبغي أن تمر عبر أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: ما مصدرها؟ هل تستند إلى بيانات موثقة؟ وهل تناسب السياق الذي يتم استخدامها فيه؟

لقد كشفت السنوات الأخيرة عن حالات اعتمد فيها محامون على مراجع قانونية مختلقة أنشأها الذكاء الاصطناعي،كما اضطرت شركات إلى تحمل مسؤولية قانونية بسبب معلومات خاطئة قدمتها روبوتات المحادثة لعملائها. ولم تكن المشكلة في قدرة النماذج على الكتابة، بل في الثقة المطلقة التي منحها بعض المستخدمينلمخرجاتها دون مراجعة.

ولهذا فإن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في سرعة إنتاج الإجابة، وإنما في جودة المنظومة التي تتحقق من صحتها.

الاقتصاد الرقمي لا يبنى على الذكاء وحده

يتوقع خبراء الاقتصاد أن يضيف الذكاء الاصطناعي تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، عبر رفع الإنتاجية وتحسين الخدمات وتسريع الابتكار. لكن هذه القيمة لن تتحقق إذا فقدت المؤسسات ثقة العملاء بسبب معلومات خاطئة أو قرارات غير دقيقة.

فالذكاء الاصطناعي قد يكتب تقريرًا ماليًا، أو يساعد طبيبًا في التشخيص، أو يدعم موظف خدمة العملاء، أو يساهم في إعداد دراسة اقتصادية. غير أن كل هذه الاستخدامات تحتاج إلى إشراف بشري، وإلى قواعد واضحة للمراجعة والمساءلة.

فالاقتصاد الرقمي لا يقوم على البيانات فقط، بل يقوم أيضًا على الثقة. وكلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج المعرفة، ازدادت أهمية الإنسان في التحقق منها.

ماذا يعني ذلك لمصر والعالم العربي؟

يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة استثنائية لمصر والدول العربية في مجالات التعليم، والصناعة، والزراعة، والخدمات الحكومية، والإعلام، وريادة الأعمال. لكن النجاح لن يقاس بعدد التطبيقات المستخدمة،بل بقدرتنا على بناء بيئة معرفية تعتمد على البيانات الموثقة، والحوكمة، وأخلاقيات الاستخدام.

كما أن المحتوى العربي لا يزال أقل حجمًا وتوثيقًا من المحتوى الإنجليزي في كثير من التخصصات، وهو ما يزيد من احتمالات وقوع النماذج في أخطاء أو تعميمات لا تناسب الواقع المحلي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنتاج معرفة عربية عالية الجودة، وإلى تدريب المستخدمين على التعامل النقدي مع مخرجات الذكاء الاصطناعي، لا التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.

● هل الخطأ عيب... أم جزء من الذكاء؟

لقد علمتنا فيزياء الكم أن الطبيعة ليست دائمًا بالبساطة التي تصورناها، وأن السعي إلى اليقين الكامل له حدود تفرضها بنية الكون نفسه. كما علمنا الذكاء الاصطناعي أن الطلاقة اللغوية لا تعني بالضرورة صحة المعرفة.

لكن يبقى سؤال أكثر عمقًا يفرض نفسه مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي: هل يمكن الوصول إلى ذكاء قادر على الاستنباط والإبداع إذا أصررنا على أن تكون كل معلومة ينتجها صحيحة بنسبة مائة في المائة؟ أم أن مساحة محدودة من الخطأ تمثل ثمنًا لا مفر منه لأي عملية استدلال أو ابتكار، سواء عند الإنسان أو عند الآلة؟

هذا السؤال لا يملك العلم اليوم إجابة نهائية عنه، لكنه يفتح بابًا فكريًا يستحق البحث والنقاش. وربما يكون هناك تشابه فلسفي بين حدود اليقين في فيزياء الكم وحدود الاستنباط في الذكاء الاصطناعي، وهي فرضية تستحق التأمل والدراسة، لا باعتبارها حقيقة علمية مكتملة، بل باعتبارها دعوة إلى التفكير في طبيعة الذكاء نفسه، وحدوده، والثمن الذي قد ندفعه في سبيل الوصول إليه.

ولعل هذا ما سيكون موضوع المقال القادم، حيث نناقش فرضية جديدة حول العلاقة بين دقة المعلومة، والقدرة على الاستنباط،وحدود الذكاء الاصطناعي في العصر الرقمي.

* مخترع الواى فاي السريع وخبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني