أكتب مقالي يوم الخميس، وقبل الانتقال إلى الكتابة أمضي الأسبوع متابعا إما الأخبار العالمية، وإما ملفًا معينًا، قد يكون انتقال السلطة في المملكة المتحدة، أو تحديات الصناعات الحربية في أوروبا، أو حال جماعة الإخوان في مصر وأوروبا، إلخ، وأواجه صعوبات كبيرة في اختيار موضوع إن أمضيت الأسبوع في ملف أو ملفين، دون متابعة الأخبار أو محاولة التعرف علي المشهد العام.
هذا الأسبوع كان الأكثر صعوبة، لسبب لا أتذكره قررت عدم تخصيص أي وقت للمشهد العالمي، بدأت أقرأ دراسة فرنسية تتناول تطور مفهوم “الروح الحي” في فلسفة هيجل. قد يكون الدافع استياءً مؤكدًا من تفاهة وسخافة خطاب الرئيس الأمريكي والمدافعين عنه وتفاهة من يتصدون لهم، تفاهة وسخافة بات الهروب منها والتعامل معها من المستحيلات، وقد يكون دافعي جملة تذكرتها لأحد الشراح، فلاسفة اليوم إما تلاميذ لهيجل يعترفون بهذا، وإما تلاميذ له ينكرون هذا.
قرأت واستمتعت، وتعلمت الكثير، ولكنني أستطيع أن أؤكد صحة تشخيص أحد فطاحل تاريخ الفكر، الذي قال إن فكر هيجل غابة كثيفة مظلمة غامضة، أغلب من دخلوها لم يعودوا، والقليل الذي عاد عجز عن إخبارنا، ماذا رأى وما معناه. تساءلت... كيف أشرح للطلبة ما فهمته؟ وكيف أساعدهم في العثور على مصباح يضيئ الطريق في هذه الغابة الضرورية والعجيبة؟ مصباح يسمح أيضا بالخروج منها؟ أمامي شهرين ونصف الشهر للعثور على حل.
من حق القارئ أن يتساءل وما فائدة كلام نظري بالغ الصعوبة؟ ولم نهتم بفلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة أصلا؟ في تبسيط مخل جدا يمكن القول إن هيجل يمدنا بمفاهيم ومنطق يسمحون بالرد أو بالتفاعل مع عدة أسئلة الكثير منها يهم المواطن، منها مثلا كيف يمكن الجمع – أو الموازنة بين كوني عضوا حيا في “كل” حي (جماعة وطنية مثلا) وهذا يرتب التزاما بتقويته ودعم عافيته وبحد أدنى من الانضباط، وبين حريتي الفكرية كمواطن؟
عندما كنت أقوم بتدريس تاريخ الفكر السياسي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كنت أمضي الصيف غارقا في حوارات أفلاطون، وهي شديدة الغموض وحمالة أوجه، ومصدر من المصادر المتعددة لصعوبتها أن كل التفاصيل بالغة الأهمية، إن دار الحوار في أعالي جبل هذا يعني شيء، إن جرى في ميناء فهذا له دلالة، أغلب المحاورين شخصيات تاريخية لعبت دورا في الحياة السياسية والثقافية في أثينا، إن دافع شخص عن الديمقراطية يكون من المهم أن نعرف من هو وما هو تاريخه، وهناك في أغلب الحوارات مغفل غبي، ومن حقنا التساؤل عن أسباب تواجده، ثم يلجأ أفلاطون في أحوال ليست بالقليلة إلي الأساطير، هل هذا يعني أننا بصدد قضية لا يمكن حسمها بالعقل؟
وهناك من يقول إن أفلاطون – بعد قيام أثينا بالحكم بالإعدام علي أستاذه سقراط، لأن خطابه كان يهد الأسس الفكرية للمدينة، قرر أن يكتب كتابة ظاهرها يقول شيئا وباطنها يقول شيئا آخر ربما مناقض، القارئ المدقق هو الوحيد الذي يمكنه اكتشاف وجود خطاب مستتر.
أود أن ألفت النظر إلى أمر... في كتاب «الجمهورية» يخصص أفلاطون فقرات لبيان أوجه الخلل في النظام الديمقراطي وما الذي يجعله هشا يفسد بسهولة، وأقارن بين هذه الفقرات ومشهد الحياة السياسية في أوروبا... ولا تعليق. ما قاله أفلاطون في هذا الشأن عبر العصور وما زال صحيحا.
ولكن تخصيص يوليه وأغسطس لدراسة أفلاطون وشراحه تجربة علمتني الكثير، وأتصور أنها ساعدتني على التدريس – طبعا الطلبة هم أصحاب القول الفصل في نجاحي أو فشلي كمدرس، ولكنني كنت وما زلت أتصور أنني كنت قادرا علي توصيل بعض الأفكار المهمة لأفلاطون. لم أعد مكلفا بتدريس مادة الفكر السياسي ولكنني ما زلت أتساءل كيف يمكن تدريس هيجل لطلاب لم يختاروا الفلسفة بل فرضت عليهم فرضا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية