خواطر مواطن مهموم 442.. خواطر الأسبوع الماضي

تذكرت أنني قرأت كتابا عن تاريخ المخابرات الروسية اعتمد كثيرا على وثائق روسية

توفيق اكليمندوس

شرعت في كتابة مقالي الجمعة صباحا، وقبل انطلاقي اطلعت بسرعة على أهم ما جاء في خطبة الرئيس ترامب ليلة الخميس، فوجدته متحدثا للمرة المليون عن ادعاءاته عن «تزوير انتخابات 2020» وعن تدخل قوي أجنبية لإسقاطه لأنه مرشح عبقري قوي يخافه الكل.

وذكرني مقال للـ«وول ستريت جورنال» بأن تقييم الأجهزة الاستخباريةالأمريكية التي بحثت هذا في السنوات الماضية يرى أن الصين فكرت في شن حملة إعلامية ضد الرئيس ترامب سنة 2020 ولكنها قررت بحكمة أن هذا ضرره أكبر بكثير من نفعه، فالرئيس أيا كان سيتعامل مع الصين على أساس أنها التحدي الأكبر وسيتبنى سياسة غير ودية – مع اختلافات في الأداء وفي الخطط يستحيل تنبؤ وتقييم تبعاتها. أي فهمت الصين أنه لا يمكن تحديد أي مرشح يمثل الخطر الأكبر على مصالحها وبالتالي لا داعي للدخول في عمليات ستنكشف إن آجلا أم عاجلا.

وتذكرت أنني قرأت كتابا عن تاريخ المخابرات الروسية اعتمد كثيرا على وثائق روسية حصلت عليها الاستخباراتالبريطانية، قال إن الروس أنفقوا مبالغ طائلة سعيا إلى تحديد تشكيل مجلس إدارة الرأسمالية الأمريكية (والعالم) وفشلوا في هذا لسبب بسيط... هذا المجلس لم يكن له وجود إلا في مخيلتهم، لا أعلم طبعا إن كان هذا حقيقيا أم لا ـ أميل شخصيا إلى تصديق هذه الرواية، ولكن كم المجهود الذي تبذله إدارة الرئيس ترامب بحثا عما يدعم ادعاءات الرئيس حول انتخابات 2020 أمر لافت للنظر.

وبعد ذلك قرأت مقال للدكتور توم نيكولز في مجلة «ذي أطلنطك» قال فيها إن الوثائق التي أفرجت عنها الإدارة للبرهنة على ادعاءاتها هي في الواقع وثائق لا تثبت أي شيء ولا تأتي بجديد إلا نادرا وبعضها يناقض كلام الرئيس، ويتساءل الكاتب مازحا... هل قرأ أحد المسؤولين هذه الوثائق التي تروي قصة لا تمت بصلة لرواية الرئيس؟ ثم يواصل قائلا هل تفضيل منافس وإظهار الرفض للآخر أو الخوف منه “تدخل” سافر في الانتخابات؟ ويرد بالنفي، هل مطالبة الصين شركاءها التجاريين بعدم تمويل حملة الرئيس تعد تدخلا سافرا؟ لا يرد الكاتب، وأرى طبعا أن هذا تدخل ولكنه أقل خطورة من الهجمات السيبرانيةوفبركة القصص والصور والتلاعب بكشوفات الناخبين، ويقول أيضا نيكولز إن الوثائق وما نعرفه بصفة عامة يثبتون أن أكثر دولة تدخلت لصالح مرشح هي روسيا... وهي تدخلت لصالح ترامب، ويليها عدد معتبر من الدول ليست الصين منها على عكس تركيا.

بصفة عامة قررت ألا أخصص أكثر من ساعتين في اليوم للاطلاع على الأخبار طالما ليس هناك جديد حاسم ولا تطور لافت ولا شيء مطلوب مني، وأفضل التفرغ للدراسة النظرية ولكتب التاريخ وللقضايا الفلسفية. طوال عقد مضي خصصت ما بين 30 و50 يوما في الصيف لدراسة أفلاطون وقراءة حواراته وشرح كبار الشراح لها، وفي عدد محدود من السنوات كنت أتفرغ لهوبز، ولكن هذه السنة قررت التعامل مع واحد من أهم عمالقة الفكر الغربي... هيجل.

في مطلع الألفية قرأت عدة كتب تقدم فكره يختلف مستواها اختلافا بيّنا، وبدأت أيضا قراءة كتابيه “ظواهرية الروح” و”مبادئ فلسفة القانون”، ولكنني لم أواصل – القراءة المدققة تتطلب تخصيص أشهر طويلة، والالتزامات والتكليفاتالمهنية الرئيسة لا تمنح هذا الوقت، هذه المرة عثرت على دراسات عنه كتبها أساتذة فرنسيون أعرف مقامهم، وقررت أقتحم كتاب جمع محاضرات أستاذ راحل هو “جاك ريفيلاج” يتناول الفكر الفلسفي الألماني، ويخصص 350 صفحة لفكر هيجل... نشأته وتطوره. الكتاب شديد الوضوح، وقيامه بتتبع كل خطوة من خطي هيجل في مشواره المهني منذ أول يوم يسمح بفهم المفاهيم التي صاغها الرجل، وفي العرض فصل طويل على اتجاهات الفكر الألماني في العشرين سنة الأخيرة من القرن الثامن عشر، سنوات فرض نفسه فيها سؤال الحرية والدين.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية