خواطر مواطن مهموم 330.. خواطر مشتتة حول النظام الدولي

هذه البكائية صائبة ودقيقة في أمور وخاطئة تماما في غيرها

توفيق اكليمندوس

في كتاب الجمهورية لأفلاطون يتساءل أحد محاوري سقراط... هل العدالة مطلب الضعفاء، يضمن حمايتهم من شر وجبروت الأقوياء، وأحد أفكار البريطاني إدموند بورك الهامة تندد بالتسرع في هدم ما هو موجود من مؤسسات وأنظمة، حتي لو شاخت وعفا عليها الزمن لأن أى مؤسسة تضطلع بوظائف معروفة، وبوظائف أخرى خفية ولم يتوقعها صناعها، ولا يراها العقل وإن رآها لا يفهم أهميتها والحاجة إليها قبل أن يتسبب الهدم في فقدانها.

أتذكر هذه الحكم عندما أسمع بعض قادة الدول الكبرى، لا أعرف أصلا إن كانوا يدركون أنهم يخربون نظاما دوليا كان مريضا قبل قيامهم بتوجيه الضربات له، وأري أنه من المؤكد أنهم غير منتبهين إلي مزايا هذا النظام، أقولها دون التقليل من عيوبه، أقولها وأنا حزين عندما أري كلفة هذا التخريب البشرية في منطقتنا وفي شرق أوروبا وفي غيرهما.

كلامي ليس تبنيا للبكائية الليبرالية أمريكية كانت أم أوروبية، بكائية تقول إن الولايات المتحدة أسست نظاما دوليا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، مبني علي قواعد قانونية تحد من اللجوء إلي العنف وتؤطره، وعلي أسس تسمح بالتجارة الحرة وبإعادة البناء وبمحاربة الفقر والمرض والظلم، وتفسح المجال للعمل المشترك المتعدد الأطراف، وأن هذا النظام ظل عفيا سليما يتطور يوما بعد يوم ويتجذر، وفجأة وبدون مقدمات وبدون سبب وجيه انقلبت كل من روسيا والصين عليه، وأخيرا انضمت إليهما الولايات المتحدة، أو علي الأقل رئيسها ومساعديه، وباتت أوروبا المسكينة المغلوبة على أمرها الفاعل الوحيد المدافع عنه المتمسك به.

هذه البكائية صائبة ودقيقة في أمور وخاطئة تماما في غيرها، نعم كان لساسة الولايات المتحدة ما بين 45 و58 رؤية ثاقبة وأنانية مستنيرة، ونعم حاولوا بناء نظام دولي مبني علي قواعد، ولكن هذا النظام لم يكن "عالميا" إلا في حدود ولم يكن "عادلا"، الكتلة الشيوعية وعدد كبير من الدول التي نالت استقلالها أو انتزعته بعد الحرب لم تنخرط ولم تندمج في منظومة الاقتصاد العالمي والرأسمالية العابرة للحدود والتجارة الحرة. 

وبعد انهيار الشيوعية سعت الولايات المتحدة ومعها دول أوروبا إلي ما يمكن تسميته عولمة جديدة، مفترضة أن عولمة الرأسمالية ستؤدي حتما إلي عولمة الليبرالية والنظام الديمقراطي والقيم المقترنة بهما، وأنها ستجبر الكل علي التعاون أو علي الأقل علي طي صفحات حروب الماضي والنزاعات السياسية، ويمكن القول أن المنظومة تمددت تلقائيا تارة – بإقبال عدد كبير من الدول عليها، وتارة بالإملاءات والإجبار والقوة في أحوال أخرى، وبقى هناك عدد من الدول التي وصفت بالمارقة، تعامل كما يعامل المجرمون أو الأطفال المحتاجون إلى تأديب قاسٍ، وضعفت دول أخرى وانهارت، ولم يلتفت الغرب إلي هشاشة البنيان الجديد، أضعفه عجز الدول المتقدمة عن توزيع ثماره على كل أبنائها، وعن حماية الأكثر تضررا، كما أنهكته ظواهر عابرة للدول، مثل الإرهاب وحروبه والجريمة المنظمة وشبكات التهريب والتجارة غير المشروعة والهجرة والتهجير وأزمات المياه والبيئة، كما لم يفهم ما بدا للكثيرين واضحا.. دول عديدة استفادت من العولمة ونهضت ولكنها لم تنس الماضي الاستعماري وباتت ترفض الهيمنة الغربية وقادرة علي التصدي لها، وعولمة التغريب وقيمه أنجبت رفضهم. 

مشروع تغريب العالم لم يكن واقعيا، مشروع تحجيم وإنهاء دور السياسة وموازين القوة لإفساح المجال أمام قوى السوق وسيادة القانون ومعايير الحوكمة لم يكن واقعيا، وفشله كان حتميا، ولكن الأخطاء الغربية عجلته، تأمل مثلا تبعات القرارات الاقتصادية التي تسببت في الأزمة الاقتصادية الكبرى (2008)، أو تبعات التدخل الغربي في العراق أولا ثم لاحقا في ليبيا، تأمل العيوب الهيكلية في البناء الأوروبي وهي وليدة تبني خيارات لم تكن عاقلة أو حصيفة.

باختصار كان "النظام الدولي المبني علي قواعد" مريضا هشا، هل يعني هذا أن السعي إلى قتله حلال؟ 

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية