أتساءل كثيرا هل أنا فاهم فعلا السياسة ومنطقها؟ لا أدعي التواضع، أعرف أن كم معلوماتي عن التاريخ ودنيا السياسة والسياسيين أعلى وأعمق وأرقى من المتوسط بكثير، ولكن أخطاء متكررة أقع فيها ـ لا تظهر لأنني أتعامل معها قبل كتابتي لأي كلمة - تدعوني إلى التساؤل، أنا كثير التواصل مع كوادر مصرية أو أجنبية انخرطت أو ما زالت منخرطة في العمل السياسي، وهم دائما في حاجة إلى تذكيري بأن الصراع على السلطة وعلى المناصب شرس عنيف، وأنه يلعب دورا قد يكون أهم من دور الصراع الفكري أو التنافس بين مشروعات سياسية أو أيديولوجية، هناك طبعا فارق بين العنف في المجتمعات الديمقراطية وغيرها، وعلاقة الأنظمة السلطوية بالعنف تختلف من بلد إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى، وكل بنية أسرية أو عائلية تحمل معها قدرا من العنف، ولكن العنف موجود في أغلب العلاقات الاجتماعية بدرجات متفاوتة.
هناك طبعا فروق بين العنف البدني والعنف النفسي، علما بأن أي عنف بدني يترك آثارا نفسية طويلة المدى صعب محوها، وفارق بين العنف الذي يمكن توقعه أو الخاضع لقواعد، إن سرقت سيقبض عليك، وعنف ينفجر فجأة أو لا يقيده أي عقل ولا أي عرف ولا يمكن توقعه، وهناك عنف منخفض المستوى مستديم وعنف شديد مؤقت أو مستديم، وعنف فردي وعنف جماعي، وعنف يمكن ضبطه وعنف عصيّ على هذا، علما بأن العنف يولد العنف ويدخل بسهولة الفاعلين في دائرة شيطانية لا يمكن الخروج منها بسهولة.
ويقول أغلب من يلجأ إلى العنف إن هذا مبرر وعادل، وتختلف مصداقية هذا الزعم من حالة إلى أخرى، وأحيانا يكون هذا الزعم معبرا عما يدور في نفس الفاعل وأحيانا يكون تحقيق العدل مجرد ذريعة، وأحيانا أخرى يرفض ممارس العنف أن يربطه بأي تصور عن العدل، لأنه يمارسه للتخويف والإرهاب ولتوصيل رسالة مفادها «لا حدود ولا سقف لشراستي».
سيضطر من يتصور أنه يستطيع ممارسة السياسة أو الحكم دون اللجوء إلى العنف ودون التفكير في مسألة وجود أو عدم وجود ضوابط لهذا إلى التخلي بسرعة عن أوهامه أو إلى اعتزال السياسة.
العنف أو قل الإلزام والقدرة على الإجبار ركن أساسي من العمل السياسي، نسوق مثالا لن يختلف عليه أحد، دون تهديد العقوبة لن يدفع أي مواطن أو محكوم الضرائب بل سيحاول الاستفادة من جميع الخدمات التي تقدمها الدولة دون أن يساهم في تمويلها، نستطيع طبعا أن نزعم أن الحوار والإقناع حل أفضل ولكننا نعلم كلنا أن هناك من سيمتنع عن الدفع رغم أنه يعلم تماما أن سلوكه ممجوج، وما يقال عن السياسة صحيح أيضا فيما يخص التربية، لا يمكن تخيل تربية قائمة فقط على فكرة الإقناع، وكلامي هذا لا يعني أن الإقناع غير مطلوب، أقول إنه غير كاف.
يتصور بعضنا أن النظم الديمقراطية هي نظم اختفى فيها العنف وتراجع أمام قواعد لعبة جديدة هي طرح أفكار وبرامج والتصويت عليها ودوام المجادلة بالتي هي أحسن، وهذا الكلام خطأ أو على الأقل غير دقيق، نعم هناك تعميم للمجادلة بالتي هي أحسن ولتعددية البرامج المقدمة والتصويت عليها، ونعم يتراجع فيها العنف البدني المؤدي إلى القتل وقد يختفي، ولكن الصراع على السلطة يظل شرسا وقاسيا وكثير اللجوء إلى أنواع شتى من العنف غير القاتل وإلى حيل قذرة، والمفارقة أن استحالة القتل فيها تؤدي إلى إطالة أمد الصراع الشرس بين أفراد.
ولم يتسع المجال لأتكلم عن العلاقات الدولية وعن تأسيس الحضارات، ما أريد التشديد عليه هو أن الاعتراف بدوام وجود شكل أو آخر من أشكال العنف لا يعني أن كل الأشكال متساوية، ولا يعني أن أيديولوجيات تمجيد العنف وطلبه واعتباره من علامات الرجولة ومولدا للتاريخ أيديولوجيات صالحة. 
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية