خواطر مواطن مهموم 323.. سماء المشهد الدولي ملبدة بالغيوم 1

د.توفيق اكليمندوس

تنقضي سنة  2025، ومن المبكر تقييم حصادها، ما هو مؤكد أن مناطق وأقاليم شاهدت عواصف مدمرة، وأن المشهد الدولي العام ملبد بالغيوم. نرى تخريبا للنظام الدولي دون أن نعرف إن كنا نشاهد إرهاصات نظام جديد أم ميلاد عصر يعم فيه مزيج من الفوضى ومن شريعة الغابة، أم تطويرًا للنظام القديم مع إصلاح وترميم بعض أركانه.

نعرف منذ أكثر من عقد أن عددا من الدول المؤثرة تريد مراجعة الأسس التي قام عليها النظام الدولي وتسعى إلى تغيير موازين القوة لصالحها، ويجب التمييز بين الهدفين رغم ارتباطهما الوثيق، ما هو جديد هو انضمام الولايات المتحدة إلى قائمة هذه الدول، ويعني هذا انضمام أقوى فاعل في العالم إلى فريق المراجعة، كما يعني أيضا أن النظام الدولي التقليدي فقد أهم أنصاره وحاميه الرئيس. ولا نعرف إن كان هذا التحول الأمريكي مؤقتًا أم مستديمًا وإن كان أغلب المراقبين يرجحون الاحتمال الثاني.

كتب مؤرخ بريطاني أكن له احتراما كبيرا يقول إن الاستياء من هذا التحول يفترض أن “النظام الدولي المبني على قواعد” كان يتمتع بصحة جيدة قبل أن يتم تدميره، وأن هذا التقييم أبعد ما يكون عن الصحة، ولا أذهب هذا المذهب، لا يمكن القول إن زيادة عدد اللصوص وارتفاع معدلات الجريمة يحتمان أو يبرران إلغاء القوانين والأعراف.

 ما يمكن قوله إن القانون الدولي على عكس باقي القوانين يفتقر إلى حكومة دولية أو قوة دولية تستطيع فرض احترامه على الجميع، وأن معالجة هذه النقطة تحديدا من المستحيلات.

ولأي قانون سمات تتعارض مع سمات السياسة، القانون ينهى عن أفعال والدول لا ترتضي بسهولة تضييق حرية حركتها، القانون يرسي قواعد عامة، السياسة هي ـ في شق مهم ـ فن تقييم خصوصيات كل وضع على حدة، إقامة حكم القانون تفترض إقامة سلطة تحقيق، والتحقيق الدولي يحمل في طياته التعامل مع بعض الدول على أساسا أنها “متهمة” تستحق عقابا، وهي طبعا رافضة لهذا الوضع، وترد بتذكير من يتهمها بأنه ليس بريئا وأن سجله لا يسمح له بإلقاء المواعظ، كما يقتضي التحقيق التدخل في شؤون الغير، ومطالبته بشفافية قد تكون محمودة أو مكروهة.

كما يمكن القول إن الدول الغربية قامت بعد انهيار الشيوعية بتحويل القانون الدولي إلى أداة تحث الجميع على تبني نموذجها السياسي الثقافي الاقتصادي وخياراتها وتتيح لها ممارسة الضغوط من أجل هذا، دون أن تنتبه إلى رفض الكثيرين ـ داخل هذه الدول الغربية وخارجها- لمستجدات الطور الأخير لهذا النموذج، ورفض استسهال العبث بسيادة الدول الأخرى وبالمقدسات. قولي هذا رصد لواقع ولا يعبر عن رفض شخصي للمنظومة الغربية – أحتفظ شأني شأن غيري بحق الفرز بين مكوناتها والنتائج المختلفة لمنطقها الحاكم.

يتغير موقف الدول التي تتعرض لضغوط غربية أو دولية مع تغير الملفات والظروف، ترفض الضغوط رفضا باتا أحيانا، وتقبلها أحيانا أخرى، ونشير إلى حالات ترى فيها الدول أن هذه الضغوط تسمح لها بتمرير إصلاحات يرفضها رأيها العام، وإلى حالات أخرى تتظاهر فيها الدول بالرفض سعيا منها إلى “مقايضة” أي إلى الحصول على ثمن مقابل الرضوخ لها، وإلى حالات تتظاهر فيها بالقبول دون اقتناع حقيقي، وأخيرًا وليس آخرا هناك حالات تطلب فيها بعض الدول تدخلا دوليا لا يكون موجودا.

وعلى العموم، نرى أن عيوب نظام دولي مبني على قواعد جلية واضحة لا يمكن التقليل منها، ولكن مزاياه كثيرة لا تتضح أهميتها قبل أن يهتز هذا النظام أو ينهار. ومن أهم مزاياه أنه يجعل الثقة بين الدول ممكنة، مما يسمح بالعمل المشترك الذي بات ضروريا في عدد من الملفات، ويوفر معالم تضيء الطريق وتؤطره، ويحول دون قيام القوي بذبح الضعيف.

لا تحتقروا القانون، سيأتي يوم تندمون فيه على تخريبكم لأسسه.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية