العدو بين الحاجة إليه وإنكار وجوده
عندما انهار الاتحاد السوفيتي تصور التيار الغالب في الدول الغربية أن التاريخ قال كلمته وانتهي، مع حسم الصراعات بين الأيديولوجيات التي تتبناها الأنظمة السياسية والشعوب الغربية، وتحديدا بين أنصار نظام يجمع بين الديمقراطية التمثيلية واقتصاد السوق من ناحية، والنازية والفاشية من ناحية ثانية، والشيوعية من ناحية ثالثة، انتصر الأول والثالث علي الثاني في الحرب العالمية الثانية، وانتصر الأول علي الثالث في الحرب الباردة.
وقال الأمريكي فوكوياما في كتاب ممتاز رغم فساد مقولته الرئيسة إن هذا النصر حسم بصفة نهائية صراع الأيديولوجيات حول مسألة النظام السياسي الأمثل، وخرج النظام الديمقراطي الرأسمالي منتصرا نصرا مبينا، قلت إن الكتاب ممتاز لأنني اعتبره أفضل مدخل لأفكار آدم سميث وهيجل، وفي الوقت نفسه تحفظت عليه لأنني قدرت أنه لم يتناول التحدي الرئيسى للنظام الديمقراطي، أداؤه الجيد رهن منظومات أخلاقية وتراث من الحوار بالتي هي أحسن يساهم هو في هدمهم، أو علي الأقل في إضعافهم – الديمقراطية تميل إلي تدمير نفسها بنفسها فهي تفسد أسسها وتهدم مقومات نجاحها بنفسها.
علي عكس ما نقوله في منطقتنا لم يبحث التيار الغالب في النخب والشعوب الغربية عن عدو يحل محل الشيوعية، بل تبني مقولة شديدة التفاهة... "لا أعداء لنا، لا يعادينا أحد" لا يتسع المجال للتنديد بصلف هذا الطرح، وأكتفي بالتركيز علي فساده، فعلاقة الصداقة تقتضي موافقة طرفين علي بنائها، لا أستطيع أن أكون صديقا لشخص يرفض صداقتي، وفي المقابل علاقة العداوة يقيمها طرف واحد، لا أحتاج إلي موافقة "زين" أو "عبيد" لأعاديه، ولا أطلب إذنه، قد تري دولة أن لا أحد يعاديها اليوم، وقد تكون محقة في هذا، ولكنها ترتكب خطأ له تبعات لو تصورت أن هذا الوضع سيستمر، ارتكبت أوروبا هذا الخطأ ونجدها اليوم تدفع ثمنه.
وفي نفس الفترة... ما بين 1991 ونهاية العقد الماضي، وجد هنا وهناك اتهام "البحث عن عدو" أو "اصطناع عدو"، نقول إن الغرب لأنه عدواني بحث عن عدو يحل محل الشيوعية، واختار العالم الإسلامي، يقولون هم إن الأنظمة العربية اصطنعت عداوة مع إسرائيل، فوفقا لهذا الكلام الفارغ فشلت الأنظمة العربية في تحقيق التنمية وباتت في حاجة إلي التستر علي هذا ولذلك استسهلت معاداة إسرائيل وادعت أنها سبب الفشل وساد منطق لا صوت يعلو فوق صوت المعركة لإسكات المعارضة ولتبرير قمع الشعوب.
هناك مخيال مشترك بين كل هذه المقولات، لا عدو لنا، أو هذا الشرير اصطنع عدوا لأسباب خسيسة في نفسه، هذا المشترك هو أنه لا يوجد أي سبب موضوعي لأي عداء بين طرفين أيا كانا، أو علي الأقل لا يوجد ما يبرر أن يعادينا أحد، فنحن بدون عيوب، قد تكون بيننا وبين غيرنا خلافات ولكنها لا ترتقي إلي عداوة، أولا كل شئ يمكن حله بالحوار والحلول الوسطي والاحتكام إلي القانون، وثانيا كل الأطراف تعلم ذلك وتعرف أهوال الحروب.
فساد هذه المقولات واضح، لأسباب عديدة نكتفي بذكر بعضها، المقدس لا يقبل بسهولة الحلول الوسطي، ولا يمكن التلاعب بالمقدس إلا في حدود ضيقة، ومن ناحية أخري هناك عقائديين يرون أن السعي إلي حلول وسطي دليل علي الضعف والجبن وأن الحصافة تقتضي استغلال هذا بالوسائل السلمية أو بالعنف.
هناك علاقة وثيقة واضحة بين هذا التصور وعبادة الذات، وفي أوروبا هناك علاقة أقل وضوحا بالمسار الحالي للمذهب الفردي السائد في الدول الغربية، وهو يتجه إلي الشك في كل ما هو جماعي، باعتباره قيدا إما محتمل أو حقيقي علي الحريات الفردية، وباعتباره قائما علي مقولات لا يستقيم أغلبها، طبيعي أن وجود عدو يوجب حد أدني من وحدة الصف، ووحدة الصف تقيد الحريات، فمن له مصلحة في تقييدها يختلق عدوا لا وجود له.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية