الالتزام المحرك الأساسي لنمو التمويل متناهي الصغر

بكل تأكيد يمكن القول إن الالتزام لا يحد من النمو بل يضمن أن يكون النمو منضبطًا ومستدامًا

حسن عبد اللطيف

كتب ـ حسن عبد اللطيف خبير التمويل متناهى الصغر

 فى المشهد المتسارع لقطاع التمويل متناهى الصغر فى مصر، ما زال البعض ينظر إلى “الالتزام” على أنه عبء تنظيمى يُبطئ وتيرة العمل، أو يحد من مرونة القرار التشغيلى لكن هذه النظرة تتجاهل حقيقة أساسية تظهرها التجارب المحلية والدولية : أن الالتزام هو الركيزة الأساسية للنمو المستدام وربحية الشركات على الأجل الطويل.

الشركات التى تتبنى ثقافة التزام قوية لا تكتفى بتفادى العقوبات أو المخاطر القانونية، بل تخلق لنفسها ميزة تنافسية حقيقية، فوجود أنظمة فعّالة للرقابة الداخلية، وآليات شفافة للإفصاح وسياسات واضحة لحماية العملاء، كلها تؤدى إلى زيادة ثقة الجهات الرقابية والمستثمرين.

الفوائد تمتد أيضًا لتصل إلى تقليل تكلفة مخاطر التغطية عن أخطاء التشغيل أو سوء التقدير الائتماني، وكذلك تحسين جودة المحفظة التمويلية واستقرار العوائد، بالإضافة لنتيجة مباشرة تتمثل فى انخفاض معدلات التعثر وهامش الربحية.

بكل تأكيد يمكن القول إن الالتزام لا يحد من النمو، بل يضمن أن يكون النمو منضبطًا ومستدامًا فبدون سياسات واضحة للتمويل المسئول ومعايير دقيقة لتقييم العملاء، يحول التوسع السريع إلى خطر مالى وتشغيلى بينما الالتزام يمنح الإدارة أدوات للرؤية والتحكم، فيسمح بالتوسع الآمن القابل للقياس، ويمكن القول إن الالتزام هو نظام الملاحة الذى يوجه الشركة نحو التوسع دون الخروج عن المسار الآمن.

وهناك عدة آثار متوقعة حال تطبيق الالتزام وتحديدا على الربحية، فمن منظور مالى بحت، الالتزام الذكى ينعكس على الربحية من خلال خفض الخسائر الائتمانية عبر تطبيق سياسات تحقق دقيقة قبل منح التمويل.

تنفيذ كل تلك البنود سوف يؤدى إلى تحسين كفاءة التشغيل بفضل الرقابة الوقائية على الأخطاء والإهدار، وتعزيز سمعة الشركة مما يجذب عملاء أكثر وممولين بتكلفة أقل، وزيادة ثقة المستثمرين، وهو ما يسهل عمليات التمويل الخارجى أو الشراكات الإستراتيجية.

بشكل حاسم ونهائى، فإن الشركات الأكثر التزاما غالبا ما تحقق نموا مستقرا وربحية أعلى على الأجل الطويل مقارنة مع نظيراتها الأقل التزاما.

التحدى الحقيقى اليوم ليس فقط الالتزام بالنصوص الرقابية، بل تحويل الالتزام إلى ثقافة مؤسسية حين يُنظر للالتزام كقيمة تنظيمية تدمج فى القرارات اليومية من تصميم المنتج حتى خدمة العميل - تتحول الشركة من منفذة للتعليمات إلى رائدة فى الحوكمة والشفافية وهنا يصبح الالتزام أداة تمكين لا قيدا، ورافعة لتعزيز الكفاءة والثقة فى السوق.

إن جميع التجارب تؤكد أن “الالتزام يربح”، ففى أسواق مثل الهند والمغرب وكينيا، أظهرت الدراسات أن مؤسسات التمويل متناهى الصغر ذات نظم امتثال قوية، كما حققت معدلات تعثر أقل بنسبة %30 وجذبت تمويلات خارجية أكبر، ونمت محافظها بنسبة تتجاوز %25 سنويا مقارنة مع غيرها،

الهند على سبيل المثال، المؤسسات التى تبنت سياسات امتثال بعد عام 2018 حققت نموا سنويا فى المحفظة بنسبة %27 وانخفضت معدلات التعثر من %7.4 إلى أقل من %3 خلال ثلاث سنوات.

المغرب، المؤسسات الملتزمة بمعايير الشفافية والحوكمة نمت محافظها التمويلية بنحو %22 سنويا بين 2019 و 2023، مقابل %13 فقط لدى المؤسسات الأقل التزاما.

كينيا، منذ تطبيق نظام الامتثال الرقابى الموحد عام 2019، ارتفعت قاعدة العملاء النشطين نسبة 35، وانخفضت خسائر الائتمان بنسبة %28 خلال عامين فقط.

الالتزام لم يكن فرامل للنمو بل المحرك الأساسى له، والخلاصة فى التمويل متناهى الصغر، الالتزام ليس خيارا تنظيميا، بل قرار إستراتيجى للنمو، الشركات التى تدرك أن الالتزام هو استثمار فى الثقة فى السمعة، فى الكفاءة.

الالتزام والحوكمة سيقودان المرحلة المقبلة من تطور هذا القطاع الحيوى فى مصر .

كلمة أخيرة يجب ذكرها لتوضيح حجم القطاع فى مصر، فبحسب بيانات رسمية، ارتفع إجمالى مؤشرات تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر خلال النصف الأول من العام الجارى ليصل إلى 24.79 مليار جنيه، مقابل 20.02 مليار فى 2024.

واستحوذ تمويل المشروعات متناهية الصغر على النصيب الأكبر منها، ليسجل 20.3 مليار جنيه، بعدد 779 ألف مستفيد.

وقد بلغ إجمالى عدد المؤسسات العاملة فى المجال التمويلى كشركات وجمعيات ومؤسسات أهلية، 1037 مؤسسة، منها 23 شركة.

* خبير التمويل متناهى الصغر