لم أعد أخصص دقيقة لمتابعة الجديد أو القديم فى تطور الفكر القومي، وأود فقط أن أبدى مشاعرى وتصوراتى.

مصر دولة عربية. كونها مختلفة عن دول عربية أخرى أو مشابهة لها لا يهم، كون ماضيها فرعونيا لا يهم، كونها تأثرت بقوة بثقافات البحر المتوسط وأثرت فيها لا يهم. باختصار... تمتع الهوية المصرية بخصوصية، تعدد أوجه هذه الهويةدولة مركزية عربية فرعونية إسلامية قبطية بحر أوسطية- كل هذا لا يهم.

لغة مصر العربية، ثقافة مصر عربية، خيال مصر عربى، دين الأغلبية فى مصر نشأ فى بلد عربي، فهم أبناء أديان مصر الأخرى لتعاليم دينهم يتم من خلال اللغة العربية ومفرداتها ودلالاتها، كل مكونات المرجعيات الفكرية للمصريين إما عربية وإما يتم تعريبها، هذا ليس قرارا حكوميا يلقى مقاومة، بل ممارسات شعبية ونخبوية يومية. الفن المصرى عربى وجزء كبير منمنتجاتالفن العربى مصرية... ومصرية شعبية.

المشكلة فيما أتصور فى خطابوحدة المصيروالأمن العربى المشترك، قطعا أحداث دول الجوار تؤثر وبقوة على أى بلد من البلاد العربية، ويزداد التأثير قوة بفضل أو بسبب روابط اللغة والدين وأحيانا النسب، ولكن تذكرة بعض الأمور ضرورية... أحداث إسبانيا أهم وأقوى تأثيرا بالنسبة للمملكة المغرب من أحداث اليمن، تطورات المشهد فى دول الساحل والصحراء بصفة عامة وفى مالى بصفة خاصة بالغة الأهمية بالنسبة للجزائر والمغرب، على عكس أحداث العراق.

الدليل على قوة وعمق العروبة هو أن تطورات المشهد فى دولة عربية بعيدة تهم جدا أى جمهور عربى وأى رأى عام عربى رغم المسافة، ولكن هذا الواقع ذو حدين، لأن الاهتمام هو اهتمام عاطفى، ويميل إلى إعطاء دروس دون إلمام كافٍ بتعقيدات الموقف.

من ناحية يمكن القول إن هناك رأيا عاما عربيا يهتم بأحوال العالم العربى، لا أعرف إن كان يعتبره وطنه الأكبر أم لا، ولكنه مهتم به، من ناحية أخرى يجب ألا ننسى الفروق العميقة، بين دولة حديثة النشأة تفكر بمنطق ضمان البقاء ودولة قديمة عريقة لا تطرح سؤال البقاء إلا فى الأزمات الكبرى، بين دول ذات نظام ملكى وأخرى هى جمهوريات، بين دول كانت ملتقى ثقافات و/أو ملاذا للمهاجرين ودول كانت معزولة أو ما زالت كذلك، بين شعب عرف مرارة احتلال بغيض وشعب لم يعرفها، بين شعب غنى وآخر فقير، بين شعب متعدد الطوائف والملل وشعب يتمتع بتجانس دينى قوى، بين شعب يتمتع بوجود جيش قوى وشعب محروم من هذا، بين شعب يعيش بجوار إيران وآخر يعيش بجوار إسرائيل و/أو تركيا.

لا أظن أننى أخبرت القارئ بما لا يعلمه، ولكننى أريد أن أساهم فى طرح سؤال كيفية التعامل مع هذا التنوع، وهل من الممكن توظيفه، اكتسبت عدة دول وقوى سياسية مهارات فى توظيف المشترك والمشاعر العروبية لخدمة أهدافها، خطاب الهوية يميل إلى تحديد واجباتملزمةعلى كل عربى، ويلجأ عدد كبير من الفرقاء إلى حجة مفادها أن الانتماء العربى يحتم تبنى مقولاتهم وأولوياتهم وأجندتهم وتأييد خطواتهم وأن أى اختلاف أو اعتراض تقصير، أى تفضيل لوسائل أخرى خطيئة تصل إلى حد العمالة والخيانة. واستخدام هذه الحجة بكثرة واللجوء الكثيف إلى هذا الابتزاز أثر بالسلب على الرابطة العربية.

أقولها مؤمنا بأن القضية الفلسطينية عادلة وأن الظلم الذى لحق بالفلسطينيين مرعب فى جسامته وتوحشه، أقولها مؤمنا بأنها قضية مصرية تمس أمن مصر، أقولها متأكدا أن الإدارة المصرية لهذا الملف أكثرها مهارة وإلماما بالمعطيات. ولكننى لا أريد أن أشيطن دولة عربية لها أولويات أخرى لا سيما إن كانت وجودية.

ما يضايقنى كمصرى وكعربى أمران، من ناحية ميلنا إلى الغيرة عندما تنجح دولة عربية أو عندما تسبقنا، وإلى التقليل من نجاحها، ومطالبة البعض بالاصطفاف وراءهم بدون قيد أو شرط.

 

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية