مرتضى المراغى شاهدًا على حكم فاروق (39)
قنبلة زمنية لقتل كل القضاة
نعود الآن إلى شهادة مرتضى المراغى، فنراه يروى أنه بعد اغتيال الإخوان للنقراشى باشا ــ أيضًا فى ديسمبر 1948، ولى الوزارة إبراهيم عبد الهادى العضو البارز فى الهيئة السعدية، ويضيف المراغى أنه كان فى عزمه شىء واحد، «وهو أن ينتقم لزعيمه وأن يقضى على جماعةالإخوان. فجردت الحكومة عليهم حملة لا هوادة فيها. وقبض على عدد كبير منهم وأودعوا السجون ، وأدَّعى الكثير منهم أنهم لاقوا معاملة وحشية تناولت تعذيبهم وضربهم وحرمانهم من الطعام وزيارة الأقارب. ولم ترهب الحملةالإخوان فأرادوا أن يعملوا عملاً يحدث دويًا مروعًا يدل على أنهم أقوياء، وأن حكومة عبد الهادى لم تقدر على قص جناحهم. وكان ذلك العمل سيحدث دويًا مروعًا حقًا بل خرابًا شاملاً وضحايا كثيرة لو تم تنفيذه. ولولا المصادفة الحسنة لوقع ذلك الخراب. فقد كان أحد الجنود ممن انتهت خدمته اليومية يسير فى فناء محكمة الاستئناف العالى. فوجدسيارة جيبفيها صندوقان خشبيان كبيران ، وعلى بعد منها سيارة جيب فيها شخصان جالسان وشخص آخر قادم اليهما من ناحيةالسيارة الجيب. وتذكر رجل الشرطة أنه رأى وجه الشخص القادم من الجيب ، وأنه يعرف ذلك الوجه. وعصر فكره قليلاً ليتذكر أنه عضو فى جماعةالإخوان المسلمين. فجرى وراءه ليسأله هو ومن يركبونالجيبعن هويتهم. وعند اقترابه منهم أدركا أنه عرفهم. فقفزا من السيارة وركض الثالث وضاعوا وسط زحام الجماهير. وأسرع الجندى الى مركز الشرطة ليلقى إليهم باشتباهه. ولم يتردد ضابط المركز فى طلب خبير بالمفرقعات. وانتقل الجميع الى عربة الجيب المحملة. ووجدوا أن الصندوقين متصلان بقنبلة زمنية ، وفيهما كمية من الديناميت لو انفجرت لدمرت دار القضاء العالى بما فيه من قضاة يبلغ عددهم مائتين ومتقاضين يبلغون الألوف ، بل وكانت دمرت جزءًا كبيرًا من الحى.
«أما الصيد الثمين الذى لا يقدر بثمن لحكومةإبراهيم عبد الهادىفقد عثر عليه فى أحد المنازل عند تفتيشها. حين وجدوا سجلاً كاملاً يحوى التنظيم والخلايا السرية لجماعةالإخوانوأسماء أعضائها كاملة. ومن المصادفات العجيبة أن هذا الكشف الذى أودع فى أضابير إدارة الأمن العام أيام حكمإبراهيم عبد الهادى، كان أثمن هدية تلقاها المرحوم جمال عبد الناصرمن حكومة ما قبل الثورة. لأن هذا الكشف للتنظيم السرى ساعدعبد الناصرفى القضاء علىالإخوان، بعد حادث الاعتداء عليه وهو يخطب فى ميدان المنشية فىالإسكندرية، إذ أطلق عليه أحد جماعةالإخوانالنار ولم يصبه. وكانعبد الناصرمعهم بالغ القسوة، إذ شنق اثنى عشر من كبار زعمائهم ونكل بأعضاء التنظيم السياسى تنكيلاً شنيعًا إذ أودعوا بالآلاف فى السجون والمعتقلات وعذب بعضهم حتى الموت، وحرمت أسرهم من معاشهم.
«ولعلها مفارقة عجيبة أنإبراهيم عبد الهادىحكم عليه فى عهد الثورة بالاعدام، لأنه عذبالإخوان، ثم خفف جمال عبد الناصر الحكم الى الأشغال الشاقة المؤبدة، وقد أفرج عنه لاحقًا ورُدّ إليه اعتباره وأُشيد بوطنيته إبان رئاسة الرئيس السادات».
www. ragai2009.com