بقلم -حازم شريف:
أن تحب جائز .. ومن منا لم يفعل ذلك لمرة واحدة علي الأقل أو أكثر؟!
ولكن أن تتحدث عن الحب وتدرك جوانبه وتغوص في أعماقه وتحلل عوامل تشكله ومسارات دورة حياته وإرهاصات نهايته، وماذا يبقي منه في النفس، فهذا يكاد يكون هو المستحيل بعينه.
فكما في أي علاقة إنسانية، فإن كل قصة حب تمثل حالة خاصة في حد ذاتها، صحيح أنه يمكن الخروج بقوانين عامة، ولكن تظل التفاصيل وتفاصيل التفاصيل عنصراً رئيسياً يخط الحدود الفاصلة بين علاقة وأخري. علاوة علي أن العشاق غالبا لا يلتفتون لممارسة مثل هذه التمارين العقلية، بينما هم غارقون في الحب، ومنهمكون-في- وربما منهكون -من- العلاقة.
والحقيقة أنني لم ألتفت يوما للبحث في ماهية الحب وطبيعته، إذ كنت دائما ما أري أن الامعان في مثل هذا البحث إفساد لشعائرالحب ذاته. وكانت قناعتي أن أي علاقة في نهاية الأمر لا يمكن أن تنشأ، سوي في ظل توافر الشروط المادية اللازمة له، فقد يلتقي نفس الرجل والمرأة ببعضهما البعض عشرات المرات، دون أن يتحابا، وذلك بسبب عدم توافر الظروف الملائمة، كأن يكون أحد الطرفين علي علاقة ارتباط عاطفية قوية أو حتي هشة بطرف ثالث، أو أن يكون أحد الطرفين، غير مهيأ نفسياً للسقوط في فخ شيطان الحب، أو لا وقت لديه لاستقباله، أو لديه التزامات تمنعه عنه، أو يعيش فترة »موات« لفقدان عزيز أومحبوب غال.
أو بمعني آخر أعطني علاقة، أفسر لك علي الفور كيف نشأت ولماذا وقع كل حبيب في شباك الآخر، فقد يلتقط رجل قلب امرأة في لحظة قنص تاريخية مناسبة لم يخطط لها عن عمد الصياد أوالفريسة، وقد تسبي امرأة وجدان رجل، فيصبح عبداً أسيراً لها في بقعة زمنية ومكانية كان من الأصل يسعي لبلوغها دون أن يدري.
عقده النفسية تمسك هي بتلابيب حلولها، ونقائص تركيبتها الشخصية، ينساب هو في خفة، ليكملها ويملأ الفراغ.
فجأة يشعر رجل أنه يبدأ من جديد، وتستشعر امرأة أنها لم تحي من قبل...هذا التلاقي ليس مجرد قضاء وقدر، وإنما ظرف موضوعي، تراكمت لحدوثه، عشرات العوامل والأسباب. وقد تلهث امرأة وراء رجل لثروته أو مركزه الاجتماعي أو المهني، وقد يطارد رجل امرأة لفتنتها أو تشاركهما الطموح المهني أو الطبقي، وقد يعيان بدوافعهما أو لا يدركانها من الأساس، ولكن ذلك لا ينفي وهج المشاعر، ولو علما في البداية بأصل انجذاب كل منهما للآخر، لتبادلا الضرب والسباب، ولانطفأت المشاعر وتبخر الحب ووئدت في المهد العلاقة.
ولحسن الحظ فإن معظم العشاق لا يعلم، أو مثلي يؤثرون ألا يعلموا.
عالم العلاقات العاطفية كان هو محور أمسية ثنائية استمرت أكثر من خمس ساعات جمعتني مؤخرا مع الصديق الطبيب النفسي المصري رضوان القماش المغترب في فرنسا منذ أكثر من اثني عشر عاما.
يميل القماش إلي تعريف الحب علي أنه انجذاب جسدي ونفسي بين رجل وامرأة. ويشدد علي أن النظريات الحديثة في علم النفس تعتمد في دراستها العلاقات الإنسانية عموما والعلاقات العاطفية بصفة خاصة، علي النظر إليها باعتبار أن كل علاقة ترتكز علي مثلث، يتجسد أول أضلاعه في الجانب البيولوجي»الجسدي«، والثاني في الجانب العاطفي »المشاعر«، والثالث اجتماعي »الثقافي«.
ففي اي علاقة حب، لابد أن يحدث الانجذاب والاعجاب الجسدي، لتصبح رؤية المحبوب تمثل مصدرا للسعادة، ويصاحب ذلك تشكل المشاعر، ليتبقي الجانب الاجتماعي المتعلق بالثقافة والظروف والبيئة المحيطة بالعلاقة التي قد تعزز الجانبين السابقين، أو تمثل عنصراً للضغط عليهما معاً.
ويؤثر كل جانب من الجوانب الثلاثة علي الآخر سلباً وإيجاباً، فالاستمتاع الجسدي يرفع من درجة حرارة المشاعر، التي تنعكس بدورها علي توهج التلاقي الجسدي بين الطرفين، كما تعضد البيئة الثقافية والظروف الاجتماعية المحيطة من تصاعد العلاقة أو قد تحبطها.
ولا يتناقض ما يقوله القماش-من وجهة نظري- مع ما ذكرته من ضرورة توافر شروط مادية لاشعال فتيل الانجذاب، فالقماش يوصف مرحلة مع بعد الحب، في حين ينصب تحليلي علي أسباب العلاقة أي ما قبل الحب.
كما أنني لا أعتقد في ضرورة التراتبية للعناصر الثلاثة السابقة، فالانجذاب قد يبدأ ثقافياً، قبل أن تتحرك المشاعر، والإحساس بالجسد.
ويشير القماش إلي مناطق في المخ البشري هي المسئولة عن مشاعر الحب والسعادة، ولوحظ بالتجربة انه أثناء إجراء المسح بالرنين المغناطيسي علي المخ، فإن مجرد ذكر الانسان اسم شخص يحبه، يكفي لإثارة تغيرات معينة في المناطق المسئولة عن السعادة واللذة Pleasure
ولكن هل يوجد ما يحلو للبعض أن يطلق عليه »كمستري« Chemistry
كمبرر كاف ووحيد لنشأة الحب؟
يقول القماش إن بعض العلاقات تبدأ بما يطلق عليه الصاعق Spark ، ثم تدخل بعد ذلك في الأطر الثلاثة للعلاقة، الجسدي والشعوري والاجتماعي، وبالتالي فإن الصاعق لا يمثل شرطا ضروريا للحب.
ويمر الحب في مستهله بمرحلة العشق، التي تتميز بالسخونة بين الطرفين، وتقدر الأبحاث متوسط الفترة الزمنية للعشق بنحو ثلاث سنوات، يبقي بعدها الحب بتعريفه المحدد السابق.
ويشبه البعض علاقة الحب بالادمان، وذلك عند حدوث انفصال بين الطرفين، إذ تتشابه اعراض الانفصال، مع أعراض »سحب« المخدر من جسد المدمن.
ويقسم القماش الانفصال نفسه إلي نوعين، الأول هو ما يتم برغبة الطرفين بعد استنفاد كل المحاولات ونضوب المشاعر، والثاني -وهو الأصعب- الانفصال المفاجئ، الذي يحدث لأسباب تتعلق بالظروف والبيئة المحيطة بالأساس رغم توافر مشاعر الحب بين الطرفين. وهنا يمر الحبيبان بما يعرف بفترة الحداد، وتنقسم بدورها إلي أربعة أطوار:
1-الصدمة.
2-مرحلة الاكتئاب.
3-الاستسلام للأمر الواقع.
4-الالتفاف ومحاولة بدء علاقة جديدة.
وتطول المراحل السابقة أو تقصر، بحسب قوة المشاعر بين الطرفين، وفي بعض الأحيان تظل علاقة الارتباط قائمة رغم الانفصال، ولو طالت فترته لعشرات السنوات. وقد يستطيع كلاهما أو أحدهما تعويض العلاقة بأخري بديلة بعد فترة طويلة، ولكن بشرط أن تكون من النوع نفسه، أي أن تتوافر خصائص شبيهة في شخص الطرف المحبوب الجديد.
ويؤكد القماش أن العامل الرئيسي للحكم علي إمكانية استمرار علاقة من عدمه يتمثل في الجانب العاطفي، ولذلك فإن السؤال الأول الذي يسأله المعالج النفسي لأي ثنائي منفصل هو :هل لا يزال كل منكما يحب الآخر؟ فإذا كانت الاجابة بالنفي، فلا بديل عن الانفصال، أما إذا ما كشف الطرفان عن استمرار مشاعر الحب، فإن نقطة البدء في إعادة صياغة العلاقة، تتمثل في المصارحة بأسباب الانفصال، والأخطاء المنفردة لكل طرف، لتبدأ عملية تبلور للمفاهيم ،التي ينبغي تبنيها والبناء عليها، بل التمرين عليها علي أرض الواقع مع قدر من التسامح، لايسمح باستدعاء أشباح الماضي.
إلا أن المشكلة تكمن في صعوبة مرحلة الحداد التي قد تعوق التوصل إلي نتائج سليمة فيما يتعلق بالعلاقة، فالشخص المكتئب كما يقول القماش، هو في حقيقة الأمر مفكر سيئ، ذو نزعة تشاؤمية، خاصة إن لم يقر أصلا بحقيقة حالته، كي يتسني له تلقي العلاج، والعودة للتفكير بشكل موضوعي.
وتقدر الأبحاث عدد المكتئبين في فرنسا بنحو ستة ملايين مواطن، أقل من نصفهم فقط يعلمون أنهم مكتئبون، ومن ثم يتلقون مضادات الاكتئاب.أما الباقون فهم إما »حبيبة« متقاعدون، رغما عن أنفهم بالانفصال، أو مكتئبون لأسباب آخري وما أكثرها!
كلام في الحب
بقلم -حازم شريف: أن تحب جائز .. ومن منا لم يفعل ذلك لمرة واحدة علي الأقل أو أكثر؟! ولكن أن تتحدث عن الحب وتدرك جوانبه وتغوص في أعماقه وتحلل عوامل...