عام الرگود والفشل الاقتصادي علي النطاق العالمي

د. فتحي عبد الفتاح   ربما ليس بعيدا عن ضجيج السلاح والتهديدات الفائرة والثائرة للرئيس الأمريكي جورج بوش وجماعته المتحمسة لإعلان الحرب علي العالم كله أحوال الوضع الاقتصادي في العالم...

د. فتحي عبد الفتاح

ربما ليس بعيدا عن ضجيج السلاح والتهديدات الفائرة والثائرة للرئيس الأمريكي جورج بوش وجماعته المتحمسة لإعلان الحرب علي العالم كله أحوال الوضع الاقتصادي في العالم في أمريكا بشكل خاص.


والتوصيف الدقيق لمبررات الحرب والتهديد بها ان الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية لعام 2002 علي النطاق العالمي تجعله يستحق بجدارة عام التراجع والانكماش وفشل المشروعات الاقتصادية وخطط التنمية التي وضعت وفقا لمواصفات العولمة الجديدة، حيث الأسواق المفتوحة بلا حدود والاستثمارات الوافدة والراحلة بلا قيود والمنافسة الحرة بلا شروط.

يستوي في ذلك بلدان العالم المتقدم أو بلدان العالم النامي، الغرب المتمرس في تطبيقات الرأسمالية أم الشرق المستجد في تعاليم السوق وآليات الانفتاح، الشمال الذي حاول أن يحقق مجتمع الرفاهية، والجنوب من الولايات المتحدة إلي روسيا من ألمانيا وفرنسا إلي الارجنتين والبرازيل.. ومصر.

ففي الولايات المتحدة تتراجع معدلات التنمية وتتراجع نسب التصدير وتزداد البطالة وحالات الافلاس في الشركات الكبري ويدخل الاقتصاد الامريكي في ظلال مرحلة ما قبل الركود وذلك بعد انتعاش ملحوظ تواصل طوال السنوات العشر الماضية.

وفي فرنسا ينتهي العام بمواجهة ساخنة بين الحكومة ونقابات العمال وتدور المعركة حول مشروعات الاصلاح الاقتصادي الذي تقدمت به الحكومة اليمينية الجديدة، وفي ألمانيا يزداد الوضع الاقتصادي تردّيا ويقف المستشار الألماني «جيرها ردشرودير» عاجزا أمام الزيادة المضطردة في البطالة والتراجع المتصل للانتاج الأمر الذي يهدد بأن تفقد ألمانيا موقعها كثالث أقوي اقتصاد عالمي.

أما في روسيا ورغم جهود الرئيس الروسي بوتين ومحاولاته الالتحاق بركب السوق الحرة والدخول في زمرة الثمانية الكبار، إلا أن الاقتصاد الروسي مازال لسنوات طويلة في حجرة الانعاش رغم تنفيذ كل التوصيات أو بمعني آخر الشروط التي فرضتها المؤسسات الرأسمالية العالمية المانحة للقروض الهائلة التي حصلت عليها روسيا في العقد الماضي.

أما في الأرجنتين والبرازيل والتي كانت تعدّ منذ سنوات رمزا للمعجزة الاقتصادية لنجاح ما يسمي بمشروع الاصلاح والمواءمة الذي يتبناه البنك الدولي، فقد انفجرالموقف كله في الارجنتين بعد ان وصل الاقتصاد القومي إلي حالة الافلاس وخرجت المظاهرات الحاشدة تلعن البنك الدولي ومعه صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والولايات المتحدة الأمريكية الأمر الذي أدي إلي استقالة الحكومة وازاحة رئيسين للجمهورية في أقل من شهر.

واخذت الارجنتين اجراءات واسعة تهدف إلي تجميد سياسات الاصلاح والمواءمة التي يفرضها البنك الدولي وذلك في محاولة لايجاد طريق وسط يؤدي إلي انعاش الاقتصاد مرة أخري وتخفيض نسب البطالة والتضخم.

وجاء نجاح المرشح اليساري في البرازيل مكملا لحركة الاحتجاج الواسعة في الارجنتين واعتمد برنامجه علي دفع الاقتصاد بعيدا عن المشروع والخط الامريكي والبحث عن نموذج اقتصادي مختلف وتجميد مشروعات البنك الدولي الاصلاحية واعادة سيطرة الدولة علي البنوك وشركات التأمين والاقراض العاملة في البلاد.

وفي مصر وفي عدد كبير من الدول النامية تواجه مشروعات الخصخصة والاصلاح الاقتصادي عقبات ومشاكل جمة بعد ان ثبت أن التحول من نظام التخطيط المركزي القائم علي الملكية العامة الواسعة لأدوات ووسائل الانتاج إلي الانفتاح الرأسمالي وتوسيع المشروعات لادوات ووسائل الانتاج إلي الانفتاح الرأسمالي وتوسيع المشروعات الخاصة بلا حدود أو قيود ليس هو الصفة السحرية القادرة علي تجديد شباب الاقتصاد والمجتمع.

لقد صاحب تقديم المشاريع الاصلاحية الاقتصادية في البداية ضجة واسعة باعتبارها الطريق الوحيد لقيادة تلك المجتمعات والوصول بها إلي مجتمع الرفاهية والكفاية ولكن الذي اتضح حتي الآن أن الطموحات التي واكبت هذه المشروعات قد تضاءلت وتقلصت وانقلب السحر علي الساحر فيها.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية وحتي قبل احداث 11 سبتمبر كان الاقتصاد الأمريكي قد بدأ يعاني من مظاهر الانكماش والركود وكان مشروع الرئيس اليميني المحافظ جورج بوش يقوم علي ثلاث ركائز أساسية وهي خفض الانفاق الحكومي الفيدرالي وخفض الانفاق علي المشروعات الاجتماعية مثل التعليم والصحة والبيئة بنسب تتراوح من 20 إلي 30% وأيضا خفض الضرائب علي الدخول والاستثمارات الكبيرة.

وقد شن الحزب الديمقراطي الامريكي المعارض هذه الأيام حملة واسعة علي مشاريع بوش الاقتصادية وايضا مشاريعه العسكرية علي اعتبار أنها تلحق الأضرار البالغة بالوضع الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية.

يقول المعهد الدولي للدراسات الاقتصادية بنيويورك أنه قد جري تركيز شديد في الملكية الملابسات والدخول في الولايات المتحدة إلي الحد الذي اصبح 20% من الشريحة الاجتماعية العالمية تملك ما يوازي 75% من مفردات وأصول الثروة ووسائل الانتاج وأن 5% من حجم هذه الشريحة تملك 50% من الثروة بينما تتراجع الدخول الحقيقية للشرائح الوسطي والدنيا.

وإذا انتقلنا من الولايات المتحدة إلي فرنسا فسنجد الصورة تتكرر مع الاختلاف بالطبع في الظروف وأيضاً المسميات فقد شهدت فرنسا في العقدين الاخيرين وحتي سنوات قليلة مضت إتساعات لشبكات الخدمات الاجتماعية كما ساعد وجود الاشتراكيين في الحكم في فترة الرئيس فرانسوا ميتران علي خلق لون من الضمانات الاجتماعية الأساسية خاصة في مجال العمل والبطالة والتأمين الصحي والتعليم.

ثم حدث في العامين الماضيين تدهور اقتصادي ملحوظ تمثل في انخفاض معدلات الانتاج مع ارتفاع في نسب البطالة 13% وارتفاع في الديوان وانكماش في نسب التصدير، ويتكرر نفس الأمر بالنسبة لكل من ألمانيا وإيطاليا.

لقد اصبحت مشاكل البطالة وانخفاض معدلات التنمية وتراكم الديون نتيجة التزايد في الانفاق مشاكل عالمية تضرب وتحاصر مفهوم دولة الرفاهية التي سعت المجتمعات الغربية إلي تحقيقها في النصف الاخير من القرن العشرين وقد تجاوز الأمر حدود الأوروبي والولايات المتحدة واليابان ليصل المحللون الاقتصاديون إلي القول بأننا علي أعقاب أزمة اقتصادية عالمية نتيجة التغيرات التي جرت وتجري علي مفردات الاقتصاد الدولي ومقتضيات الثورة العالمية والتكنولوجية الهائلة وسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات.

وإذا كان مايجري في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعكس فشلا في تقديم اصلاحات اقتصادية فعالة فإن الأمر يأخذ صورة المأساة في دولة مثل روسيا بل وفي بلدان شرق ووسط أوروبا كلها حيث أن مشروعات الاصلاح الاقتصادي التي قدمت طوال العقد الماضي لم تنجح إلا في أمر واحد وهو إلغاء الضمانات الاجتماعية الواسعة التي كانت تقدمها الدولة في مجالات التعليم والصحة والعمل والإسكان دون أن يقابل ذلك نمو إقتصادي أو إزدهار في الاستثمارات الجادة.

بالعكس فإن القطاع الوحيد الذي نما وازدهر هو الاقتصاد الرمادي في مجالات النشاط في المنتج وغير المشروع مثل التهريب والمخدرات والجنس وغسيل الاموال وتجارة السلاح ونشاط العصابات المنظمة.

وفي الارجنتين إندلعت المظاهرات بعد أن وصل الاقتصاد إلي مرحلة الافلاس وتمثل ذلك في عدم القدرة علي دفع مستحقات الدين الخارجي الذي يقدر بـ 125 مليون دولار مع تدهور الأحوال المعيشية ووصلت نسب البطالة إلي 20% .

وفي البرازيل جري مايشبه بالثورة السياسية واصبح يحكم أكبر بلد في أمريكا اللاتينية «180 مليون» ولأول مرة رئيس يساري «شيوعي» يعادي توجهات الرأسمالية الفجة ويقدم برنامجا بديلا في محاولة لانقاذ الاقتصاد البرازيلي من الانهيار.

جاء ذلك رغم قصائد الاعجاب والمدح التي ايدتها دوائر المال في وول ستريت في الاعوام الماضية بالاصلاحات الاقتصادية التي تجري في البرازيل والارجنتين وتقارير البنك الدولي التي كانت تشيد بما تسمي بمعجزة الاقتصاد في البلدين نتيجة تنفيذهما الحرفي لتوجهات البنك الدولي.

وإذا كان عام2002 قد شهد فشل المشروعات الاصلاحية الاقتصادية سواء في الدول الرأسمالية العريقة مثل أمريكا وفرنسا وألمانيا واليابان أو في الدول التي تمر بمرحلة انتقال مثل روسيا أو دول العالم الثالث التي تحولت إلي حقل للتجارب بما يشبه الساونا الاقتصادية مثل مصر والبرازيل والارجنتين.

فإنه من الواضح ان هناك محاولات للبحث عن اشكال واساليب جديدة بعيدا عن انماط التفكير التقليدي والسائد حول الانماط الاشتراكية والأنماط الرأسمالية.