حازم شريف يكتب:
أكتب بعد 10 سنوات من صدور العدد الاول من صحيفة المال.. وأكثر من اثني عشر عاما من التحضير لتأسيسها.
صيف.. عام 2000.. أتجوَّل فى شوراع القاهرة بسيارتى طوال اليوم، اطوف بمكاتب المستثمرين .. حاملا أوراق المشروع..وجهاز كمبيوتر محمول لتقديم عرضى المسرحى الترويجى، مرتديا حلة كاملة ورابطة عنق ارخيها فى لهفة المحكوم عليه بالاعدام للتخلص من حبل المشنقة، فى فترات الراحة لشرب القهوة.
وما بين اخفاق واخفاق فى الأغلب.. يمضى الوقت، فأستبدل عدة الشغل، بسروالي «الجينز» المفضل، واعود ليلا الى مقر نقابة الصحفيين المؤقت بجوار موقف أحمد حلمي، لانضم لزملائى وأصدقائى فى اعتصامنا المفتوح بغرفة المجلس الموقر.
كان الموقف بأكمله «أسطوريا» ملتبسًا بشكل يدعو إلى الجنون.. فى الصباح تتقمص دور Entrepreneur -منظم أو مطور أعمال- يسعى لإقناع مستثمرين بمشروع قائم على سياسات تحريرية من وحى خياله، ويتعين عليه استعمال مصطلحات من عينة العائد على رأس المال، ومعدل العائد الداخلى، ونقطة تعادل الإيرادات مع المصروفات وغيرها، مع التشبث بشروط تضمن استقلالية الادارة، أهمها تحديد حد أقصى للملكية.
فى المساء تبيت مع مناضلين يساريين «ابراهيم الصحارى ووائل جمال وايمن مكرم ودينا جميل ومحمد بركة» فى اعتصام مفتوح ضد ادارة صحيفة العالم اليوم، عقب تطور الامور بصورة دراماتيكية لأسباب لا تتسع المساحة ولا الوقت لذكرها.. والطريف ان اغلبنا كان جزءًا من الادارة، فأنا بالكاد كنت أشغل منصب مدير التحرير، والصحارى رئيسا لقسم ابتدعناه له خصيصا اطلقنا عليه قسم التداول، وكان جمال ومكرم نائبين له.. ولعلها كانت المرة الاولى فى التاريخ ان لم تخُنى الذاكرة.. التى يدخل فيها جزء من الادارة-هو الأعلى دخلا فى المؤسسة لدرجة تدعو للحسد- فى إضراب عن العمل، تحول الى اعتصام..فى مواجهة باقى الادارة.. تضامنا مع عمال القسم الفنى بالصحيفة الذين لم يضربوا سوى لدقائق معدودات ولم يعتصموا بالأساس!
انتهى الاعتصام وعاد زملائى لعملهم، وتفرغت انا لمحاولة استكمال المشروع، على امل الالتقاء بهم فيه مجددا، إلا ان هذا التفرغ لم يشفع لي، فى ظل اجواء الركود التى نجحت فى انجازها بجدارة، حكومة الدكتور عاطف عبيد.
كان الاقتصاد يمر بحالة تباطؤ لافتة، والاخطر أن سعر الصرف بدأ فى التدهور سريعا، ونشأت سوق سوداء للدولار، جعلت أغلب المستثمرين النابهين، يحوَّلون اموالهم للعملة الخضراء، حتى يحافظوا على قيمة ثرواتهم، وكنت أنا اطرق أبوابهم، أدعو للاكتتاب فى مشروع ينتمى لقطاع غامض بالنسبة لهم -هو صناعة الصحافة-، رأسماله بالعملة المحلية...... «شفتم نحس أكتر من كده ؟!».
وبعد جهد جهيد، تدهورت خلاله أحوالى المادية والاجتماعية، تمكنت بالكاد من جمع نصف الحد الأدنى اللازم لقيام المشروع. استطلعت راى المساهمين، فوافقوا مشكورين - وربما متحرجين- على التأسيس.... وبالفعل بدأ المشروع رسميا فى 18 أغسطس عام 2002.... الهدف كان واضحا، فى المرحلة الاولى، لن نستهدف تحقيق ارباح، فمع رأسمال ضئيل كهذا، لا يمكنك أن تربح، أقصى آمالك – بل ورهانك الوحيد - ان تنجح فى صنع سمعة جيدة وتأثير ملموس فى دوائر السوق، وتصمد، آملا فى النجاح فى جذب مستثمرين جدد، لرفع رأس المال، والعودة الى الخطة الاصلية.
● ● ●
قبل نحو 4 سنوات... تعاقدنا مع استشارى فى مجال التسويق، لتدريب العاملين باقسام التسويق والاعلانات والاشتراكات بالصحيفة، وقد دعانى الرجل لإلقاء الكلمة الافتتاحية فى «الكورس» التدريبي، وحدد لى موضوعًا محددًا.. قصة تأسيس صحيفة المال.. كيف نشأت ومن تستهدف، وكيف تطورت؟
ارتجلت .. لم احضر شيئا.. فجاءت العبارات صادقة عفوية.
س: لماذا تأسست المال؟
ج: ببساطة لأننى كنت أحب الكتابة، وأصبحت محرومًا منها، وكان أمامى بديلان للاستمرار فى مزاولتها، أولهما أن ألتحق بمؤسسة صحفية أخرى، وأصبح ترسا مهما مرة أخرى فى آلة ضخمة، وهذا كان حلمى منذ ان تخرجت وحتى التحقت بالمهنة، فلم افكر يوما قبلها فى ان اشارك فى تحمل مخاطر اى مشروع. أما البديل الثانى والذى دُفعتُ إليه دفعًا من جانب اصدقاء وزملاء متحمسين لشخصي-وبالتأكيد غرورى أيضا-، فهو الدعوة لتأسيس صحيفة نتشارك فيها جميعا الكتابة.
والغريب ومن المحزن بكل تأكيد.. انه وبمرور السنوات وتعاظم اعباء الادارة، لم يعد لدى الكثير من الوقت لمزاولة هوايتى المجنونة، القراءة، ناهيك عن الكتابة!
لاحظت أثناء العفوية، أننى ربما قد بدأت المشروع بالشقلوب...فحين انظر حولى متأملا الاصدارات المشابهة، ستجد طموحات ودوافع مختلفة..البعض يمهر فى جلب الاعلانات، فيؤسس مطبوعة لتستوعب فائض تجلياته الاعلانية والسلوكية عن حاجة مؤسسته الأصلية، والبعض تحركه رياح الحقد المقدسة، فيسعى الى المحاكاة والتقليد.. بخلاف مغامرين ومقامرين فى الاسهم ومتاجرى عملة يتكسبون من الأخبار والشائعات..ثم يقررون اختصار الطرق والمسافات، فيصنعون جريدة تستوعب تجارتهم.... على أى حال، سرعان ما تكشف لى مدى تهافت الدافع الاصلى رغم نبله..الكتابة.
كانت لدى قناعة ساذجة، بأن المحتوى الجيد، قادر ان يسوِّق نفسه بنفسه، وناجع بمفرده دون اى مؤثرات اخرى على جذب القارئ والمعلن...وقد دفعنا ثمن هذا التصور باهظاً، فعلى مدار بضعة أشهر من صدور العدد الأول فى 16 مارس 2003، لم يدخل الجريدة ذات المحتوى القيم-من وجهة نظرنا-سوى اعلان واحد فى شهر ابريل قيمته عشرة الاف جنيه، فى ظل توجيه معظم مواردنا المحدودة اصلا الى نفقات التحرير والطباعة، ولولا تنبهنا قبل فوات الاوان لأهمية الانشطة الاخرى المرتبطة بالصناعة كالتسويق وبيع الاعلانات والاشتراكات وغيرها، والعمل بجدية على تأسيس ادارات نابهة لها، لكان مصيرنا ليس افضل كثيرا من مشروعات اغلقت ابوابها بسبب دوافعها النبيلة، واشهرها على الاطلاق تجربة جريدة البديل، التى شرفت بالاطلاع على دراسة الجدوى المبدئية لها، والتى بدت لى أقرب إلى الرواية الرومانسية، منها الى دراسات الجدوى، لغة رفيعة، ومضمون خلاب، يرتكز على قناعات مبدئية، ولا تغفل سوى امر واحد. هو انها لم تخبرنا من أين وكيف سنسترجع ما سينفقه المستثمرون من أموال؟!
واظن انه لم يكن من قبيل المصادفة.. أن يكون من اعد دراسة «البديل» المرحوم الكاتب الكبير الدكتور محمد السيد سعيد، وان يكون من حملها اليه فى منزلى لطلب الرأى والمشورة، هو الصديق الجميل الراحل الدكتور سامر سليمان... فاصحاب الدوافع النبيلة.. لا طاقة لهم على تحمل الحياة طويلا.
● ● ●
من عقبة إلى أخرى ومن نجاح الى مثيله، ومن جيل إلى لآخر، تحول الموضوع لمن تبقى على الأرض، لما يشبه العادة، ونمط حياة. الزملاء فى «المال» بكل الإدارات، يعرفون جيدا أدوارهم على الماكينة، ومع ذلك فهم لايمتون لآلات آدم سميث البشرية بصلة.... التحدى الرئيسى لأى شخص، يتشرف بالعمل مع تلك العينة البشرية النادرة، يتلخص فى قدرته فى الإجابة بقدر من الحصافة عن مجموعة من الاسئلة.. كيف تستطيع ان تطبق القواعد دون ان تخسر حميمية العلاقات الانسانية؟ كيف توازن بين مخاطبة المطامح الشخصية المشروعة ومصلحة الجميع.. ممثلا فى هذا الكائن الهلامى.. الجريدة؟ باختصار كيف تكون ملهما.. دون ان تدفع من حولك للشطط او الاندفاع فى اتجاهات خاطئة؟
وقد تفلح احيانا وقد تفشل.. المهم ان تكون محصلة اجاباتك تسير فى الاتجاه الصحيح، خاصة عندما تدخل باختيارك واختيار من معك فى المرحلة الأصعب... التى يتحتم فيها على الجميع-وانت على رأسهم- الإيمان بحتمية التحول من مرحلة النمو بفعل الحلم الشخصى للأفراد إلى ذلك النمو «السخيف»، بفعل الرؤية المستقبلية للمؤسسة... ذلك هو التحدى الممتع.. فالتاريخ لا يعيد نفسه، وهذا تحديدا ما يجعل الحاضر والمستقبل اكثر إثارة... أو على الأقل من وجهة نظري.
التاريخ لا يعيد نفسه... وهذا ما يجعل الحاضر والمستقبل أكثر إثارة
حازم شريف يكتب: أكتب بعد 10 سنوات من صدور العدد الاول من صحيفة المال.. وأكثر من اثني عشر عاما من التحضير لتأسيسها. صيف.. عام 2000.. أتجوَّل فى شوراع القاهرة بسيارتى...