بقلم -حازم شريف:
لو كان المخططون لعملية استحواذ ــ أو اندماج أيهما تختار ــ شركة بايونيرز القابضة علي بنك استثمار بلتون يستحقون أن يوجه لهم الشكر لاعلانهم الاتفاق علي اتمام الصفقة مطلع الأسبوع الماضي.. فلن يخرج الشاكرون مبدئيا عن أطراف ثلاثة.
أولهم شركات الاتصالات، بسبب ما غمرها خلال الأيام القليلة الماضية من سيل مكالمات طويلة الأجل، تبادلها كبار عملاء الهاتف المحمول من العاملين في سوق الأوراق المالية، لتحليل ماجري وما سوف يجري، وتداعياته علي خريطة الحصص السوقية للمتنافسين في الفترة القادمة، في اتصالات لم تخل من نميمة، ولم تصف أيضا من مشاعر تباينت- بحسب موقف المتحدثين- من الفرح والانبساط مرورا بالخوف والهلع وليس انتهاء بالتحسر والشماتة!
وثانيهم نحن معشر الصحفيين، بفضل ما أمدتنا به الصفقة- وما سوف تمدنا به في المستقبل من مواد شيقة وجافة ــ بحسب أسلوبك في الكتابة ــ تكفي لحشو آلاف الموضوعات، وتكسية مئات الصفحات، وتنشيط عشرات الصحف والمجلات.
وثالثهم المساهمون الرئيسيون من الادارة العليا في المجموعتين المندمجتين، الذين يتوجب عليهم ــ في تقديري ــ توجيه الشكر لأنفسهم، بعدما توصلوا لصفقة تحقق مصالحهم المشروعة كل حسب نواياه وأهدافه وسيناريوهات المستقبل الخاصة به، بل وحالته المزاجية والنفسية.
وبعيدا عن دعاوي الشكر والعرفان، فإن وضعيتي الترقب والتطلع باتتا تسيطران علي أغلب العاملين في مجال بنوك الاستثمار. ترقب لما سيسفر عنه الاندماج من تأثير علي مكانة البعض، وتطلع- لعل وعسي- لكل من حاول أن يسير- خلال الأعوام الماضية دون جدوي- علي درب شركة بايونيرز للسمسرة- موطن قوة المجموعة- بالتوجه إلي التعامل مع المستثمرين الأفراد »Retail«، ثم التحول إلي شركة قابضة تطرح أسهمها بالبورصة، لتزيد علي ذلك مصاهرة اثنين من أفضل من عرفت سوق المال من كوادر منذ أن دبت فيها الحياة مرة أخري في مطلع التسعينيات.
في كل مرة يدخل فيها علاء سبع وعلي الطاهري إلي السوق يتكررالسيناريو المنطقي ذاته، تأسيس شركة، فنجاح، فاندماج،فبيع وخروج، فدخول في مرحلة استثمارجديدة.
علي وعلاء اسمان متلازمان، ليس فقط عندما ظهرا في السوق المصرية، بتأسيسهما هيرمس كشركة شقت طريقها بسرعة الصاروخ إلي القمة مع منتصف التسعينيات لتتصارع عليها مع المجموعة المالية، ولكن قبل ذلك بأكثر من عشر سنوات، حين تنقلا للعمل معا لفترة طويلة، في مؤسسة كيدر بي بودي.كلاهما علي تخوم الخمسينيات الآن، وكلاهما في الأساس يحمل شهادة الهندسة الميكانيكية للطاهري، والطبية لعلاء.
لم يفترقا سوي لبضع سنوات، حين قررعلي، علي حين غرة أن يبيع أسهمه في »المجموعة المالية- هيرمس«، ويترك عضوية لجنتها التنفيذية في أواخر عام 96، ليغير من أسلوب حياته، كما ذكر لي وكتبت وقتها، أو لتوقعه أن تتجه السوق للركود كما ردد البعض- وهو ماحدث بالفعل في أعقاب استقالته- ومن ثم آثر بيع حصته في المجموعة في أعلي نقطة، أو لأي أسباب أخري ترددت حينها وبعدها وقبلها...المهم خرج الطاهري، ليقود طائرته الخاصة، ويمضي عدة سنوات سائحا في بلاد الله.
في غضون ثلاث سنوات كان علاء نفسه يبيع أسهمه في »المجموعة المالية-هيرمس« ويغادر في أعقاب الاندماج الثاني في قصة حياة المجموعة، عقب مبادلة للأسهم سيطرت بها عليها - لفترة- شركة التجاري الدولي للاستثمار، بزعامة ياسر الملواني، قبل إعادة مبادلة الأسهم من جديد، لتتحول»التجاري الدولي« إلي بقايا صندوق استثمار مباشر تديره المجموعة.
في مطلع الألفية الثانية،عاد علي لعلاء وانضم إليهما هشام أكرم- هوبدوره قادم من هيرمس- وآخرون ليؤسسوا مجموعة بلتون، التي مرت بمراحل متباينة من الطموح,دفعتها في أوجها لخوض مفاوضات لبيع حصة منها لبنك جولدمان ساكس الآمريكي، أخفقت مع اندلاع الأزمة المالية العالمية، تلتها مفاوضات ثانية لم تكتمل مع مجموعة النعيم ,قبل الهبوط علي أرضية الاندماج في بايونيرز القابضة.
السؤال الذي يطرحه الجميع الآن: هل ينجح الكيان الجديد في في تهديد المجموعة المالية _ هيرمس وإزاحتها من علي صدارة قائمة بنوك الاستثمار علي المستويين المحلي والاقليمي؟ إلا أن السؤال الغائب الأكثر أهمية من وجهة نظري هو: وماذا ستفعل المجموعة كي تسعي للحفاظ علي هذه الصدارة,والتي تربعت عليها لنحو ثلاثة عشر عام كاملة، أطاحت خلالها بالعديد من الضحايا؟
قبل الاجابة علي السؤال السابق، ينبغي الأخذ في الاعتبار نموذجي الاندماج السابقين الآكثر نجاحا.
في اندماج المجموعة المالية مع هيرمس ,كان الطرفان يجيدان القيام بأغلب مهام وأنشطة بنوك الاستثمار,بذات الدرجة والكفاءة تقريبا,فكلاهما يمتلك شركة سمسرة، تستحوذان علي أغلب تعاملات المؤسسات الأجنبية والعملاء المحليين مرتفعي الملاءة المالية، وتكادا تحتكران جميع الطروحات والاكتتابات الأولية,وتديران الحصة الأكبر من صناديق الاستثمار، وتجمعهما والعاملين بهما نفس الثقافة والنظم الداخلية المطبقة.
الصدام الوحيد انصب في تشابه الوظائف، وجاء رد الفعل فوريا بخروج 17 موظفا من هيرمس بزعامة أحمد الحلو ومحمد عبدالله,وبتحريض مباشر من شركة التجاري الدولي للاستثمار- وعضوها المنتدب وقتها ياسر الملواني- الذراع الاستثمارية للبنك التجاري الدولي- وعضوه المنتدب في حينه عادل اللبان-,ليؤسس الأطراف الثلاثة شركة إنتركابيتال للسمسرة، إلا أن المحصلة كانت خروج المجموعة المالية-هيرمس، أكثر قوة مما سبق.
أما في اندماج »المالية _هيرمس« مع التجاري الدولي للاستثمار,فقد جاءت التضحيات المتبادلة متوازنة سياسيا ، في ظل تشابه النظم والثقافة أيضا، فجري تغليب ياسرالملواني ورجاله في مجال الاستثمارالمباشر,في حين لم يكن بمقدور أحد مجرد الاقتراب من حسن هيكل- رجل المجموعة القوي ومحركها الأول- ومن معه في مجال بنوك الاستثمار، وأيضا خرجت المجموعة من الاندماج أقوي من ذي قبل.
بيد أننا أمام نموذج فريد للاندماج في واقعة »بايونيرز-بلتون«,فيه من العوامل,ما يضمن نجاحه، بقدرما قد يعرقله أيضا. فبلتون تستطيع القيام تقريبا بنفس الأدوار التي تهيمن عليها المجموعة المالية وبذات الكفاءة تقريبا,كطرح وتغطية الاكتتابات,وإدارة الأصول، والتخاطب مع المستثمرين الأجانب والأفراد المحليين ذوي الملاءة المالية المرتفعة، إلا أن ضعف نشاط السمسرة في السوقين المحلية والاقليمية بالمقارنة مع المجموعة المالية، يشكل قيدا كبيرا علي نمو أنشطتها الآخري.
أما بايونيرز فهي كتلة هائلة من المستثمرين الأفراد ,يزحفون يوميا من 30 فرعا للشركة في مصر وخارجها إلي شاشات البورصة,فتستطع معهم وبهم ألوانها الحمراء والخضراء. وبإمكان ظاهرة مثل هذه أن,تمنح بلتون- بل وأي بلتون- ما كانت تفتقره بقوة من حيوية في السوق الثانوية.
إلا أنه علي الجانب الآخر، فإن التباين الحاد في الثقافة بين الشركتين ,,يهدد بخسارة مجموعة من العاملين علي حساب الأخري,كما أن مطابقة نظم الرقابة الداخلية بين المجموعتين,قد يحد بدرجة ما من نشاط الأفراد.
وعلي أي حال....
بحكم خبراتي السابقة، لو أجريت اتصالا تليفونيا افتراضيا باحدي القيادات العليا لهيرمس في الوقت الحالي لتستطلع رأيه في صفقة »بايونيرز- بلتون«,فإنك ستحصل علي ردين لا ثالث لهما: لاتعليق,أو إبداء عدم اكتراث,قد يصل إلي درجة السخرية!
إلا أنني _وإعتمادا علي ما أوتيت من خبرة أيضا- أتجاسر كي أؤكد أن ما ستفعله هيرمس في حقيقة الأمر هو المراقبة!
الانتظار لعدة أسابيع لن يضير في شيء، فقد تفشل الصفقة للأسباب السابقة,وهو في ظني,ما لن يحدث، فعلاوة علي ان القرار الحكيم لمخططي الاندماج بإبقاء موظفي كل مجموعة»متمترسين« في مكاتبهم ,كفيل بإبقاء الصراع الثقافي عند حده الأدني، فإن الشرارة المتولدة عن أول ثمرة ناجحة للتعاون,ستكون كفيلة,بإخماد أي حساسيات.
أما ساعة الصفر,فهي تلك التي يبدأ فيها علاء سبع وعلي الطاهري في ممارسة هواياتهما القديمة المتمثلة في اصطياد أحد الاكتتابات الأولية,وحين يبدأ السيرك-عفوا الطرح-,فإن المئات من سماسرة بلتون الشياطين, سيقودون الآلاف من مستثمريهم حتما لتحقيق النصر، وإعادة كتابة التاريخ من جديد,علي شاشات التداول.
وسيكون علي هيرمس حينها أن تتحرك قبل أن تتوالي الاكتتابات,فتخسر معركة السمسرة، قبل أن تنتقل المنافسة إلي الأنشطة الأخري.
كلمة السرإذن هي المستثمرون الأفراد.فوفقا لما تعلنه بايونيرز,فإنها تمتلك نحو 90 ألف عميل,تمكنوا من قيادتها في الربع الثالث من العام الجاري إلي احتلال المرتبة الثانية بين شركات السمسرة طبقا لبيانات البورصة من حيث قيمة التعاملات,بحصة سوقية %6,7, إلا إنها أتت الأولي بالطبع من حيث عدد العمليات برصيد تجاوز 646 ألف عملية. وفي المقابل فقد تبوأت هيرمس المركز الأول، بفارق طفيف في حصتها السوقية إذ بلغت%7,1، ولكن اللافت للنظر أنها احتلت المركز الثاني من حيث عدد العمليات برصيد 412 ألف صفقة تقريبا، وهذا هو غير المألوف.فالمجموعة المالية تمتلك شركتين للسمسرة,الأولي هي المجموعة المالية المتخصصة في التعامل مع المؤسسات والمستثمرين الأجانب,وقد احتلت المركز الثالث في الربع الثالث,بحصة سوقية %5,4متفوقة علي بلتون للسمسرة التي تخاطب نفس النوعية من المستثمرين في التحالف الجديد، والتي حلت سادسة بحصة سوقية %3,4 أما الشركة الثانية فهي هيرمس الموجهة للتعامل مع المستثمرين الأفراد,وبالرغم من ذلك فإن الاعتقاد التاريخي السائد عنها في السوق هوأنها تتوجه فقط إلي كبار المستثمرين. فمن أين لها بهذا القدر الكبير من العمليات؟!
الواقع أن ثمة تغيير ما - لم يلحظه كثيرون- قد طرأ علي طبيعة عملاء هيرمس في الفترة الأخيرة يرجع لعاملين رئيسيين,أولهما: توسعها في الفروع ليرتفع عددها إلي ستة، والثاني تضمين نشاط التدول الالكتروني. ويقدر مسئول بهيرمس,عدد عملائها حاليا بنحو 20 ألف عميل. إلا أن متوسط قيمة العملية الواحدة لهيرمس بلغ في الربع الثالث نحو 25 ألف جنيه,مقابل قرابة 15 ألف جنيه للعملية في بايونيرز، مما يجعل من عملاء الثانية »رتيلا« أكثر إن جاز التعبير.
ولكن هل تحتمل المجموعة المالية ــ هيرمس رفاهية الانتظار لحين استكمال خطط هيرمس للتوسع في مخاطبة المستثمرين الأفراد بالمزيد من إنشاء الفروع والمنافسة في سوق التداول الألكتروني؟
في ظني لا...خاصة مع مشاهدتها هذه الجحافل من مستثمري بايونيرز الأفراد يلتهمون التهاما طروحات »بايونيرز-بلتون« الأولية، وهي اكتتابات من شأنها أيضا مضاعفة نشاط بلتون للسمسرة.
إذن ما العمل؟
أرجو أن تراجع عنوان المقال... وهو ليس بمثابة دعوة لهيرمس أو غيرها لتسوق شركة سمسرة من سوبرماركت البورصة.ولكنني أزعم أن المجموعة المالية ستكون مجبرة في وضع كهذا علي الاستحواذ علي شركة توفر لها قاعدة إضافية من العملاء الأفراد لمقارعة الطوفان القادم!
ولكن ما مصلحتي في كل ذلك؟
فقط المزيد من الاثارة....فبدونها لا يطيب لي العمل الصحفي!
هل تشتري «هيرمس» شرگة سمسرة ؟
بقلم -حازم شريف: لو كان المخططون لعملية استحواذ ــ أو اندماج أيهما تختار ــ شركة بايونيرز القابضة علي بنك استثمار بلتون يستحقون أن يوجه لهم الشكر لاعلانهم الاتفاق علي اتمام...