بقلم -حازم شريف:
"من 50 سنة، كان فيه حسن ومرقص وكوهين، دلوقتي بقوا حسن ومرقص، كلها 5 سنوات، وحسن هيبقي قاعد لوحده"
Merry Christmas
هذه الرسالة، تلقيتها عبر هاتفي المحمول، من زميلة قبطية، علي هامش موسم أعياد »مواطنينا« المسيحيين، الذي شهدته الأيام القليلة الماضية، وطغت فيها مشاعر الحزن والغضب علي أجواء الاحتفالات، بسبب حادث انفجار عبوة ناسفة، أمام كنيسة القديسين بالاسكندرية، ليلة رأس السنة، في الخط الزمني الفاصل بين عامي 2010، 2011.
أعتزم اليوم، أن أدقق التواريخ، فمنذ نقطة الانفجار، بات التاريخ علينا شاهد عيان، إما أن يضعنا في غياهب الإنسانية، كما اعتاد أن يفعل، وإما أن نخذله، ولو مرة، بالارتفاع بمستوي تصرفاتنا وسلوكنا، إلي مصاف قيم الحضارة الحديثة.
آلاف الرسائل استقبلتها علي مدار السنوات الأخيرة، منذ أن تطفلت الهواتف النقالة علي حياتنا، ضمن ثورة أكبر، لتداول المعلومات والأخبار والمشاعر والنكات والكتب والمقالات، وقصائد الحب والسياسة والوطن، والتحيات والأغاني والفيديو كليب، من خلال شبكات الاتصالات والانترنت... ولكنني أزعم أنه ما من رسالة قد تركت في نفسي مثل هذا الأثر.
رسالة كنصل سكين، لا تملك أن تمنعه، من أن يتسلل في صرامة إلي قلبك، بعد أن ينثر سمه، في مروره القاتل علي ثنايا الجلد، وبحور الشرايين، وقفصك الصدري.
فأكثر المفاهيم عمقاً تتجسد أحياناً، في مفردات بسيطة، يتفوه بها مواطنون عاديون، في لحظات تجل، تخلقها مواقف محددة، قد تكون مفرحة أو مؤلمة، ولكن المعني الكامن خلف الكلمات، يعجز أعتي الكتاب، عن صياغته أو التعبير عنه، بنفس درجة الإحاطة والتكثيف، في عدد لا نهائي من الجمل المركبة.
هذه الرسالة، التي باتت متداولة ما بين المواطنين الأقباط، للتهنئة بأعياد الميلاد المجيد، هي من ذلك النوع الأخير.
أحاسيس مختلطة، من الغضب والاستسلام وفقدان الأمل، ممزوجة بسخرية، ومسحة عتاب تماثل ما بين الأزواج، حين يحذر كل طرف- الزوج أوالزوجة- الطرف الثاني، من مغبة إصراره، علي المضي في مزاولة، تصرفاته المسيئة للآخر:لوفضلت كده هتقعد في البيت لوحدك.
أعرف أن ما سوف أكتبه اليوم الموافق 11 يناير من عام 2011، وما لن أتوقف عن كتابته، في المستقبل، لن يصادف هوي الكثيرين، فثقافة التطرف، باتت عامة، تتغلغل كعنكبوت قبيح، بني له أعشاشاً كثيفة، في شتي طبقات المجتمع.
لم أعد أبالي، بمن يغضب أو يستحسن، فالتاريخ سيدوّن: من كتب؟وكم مرة كتب؟وماذا كتب؟هل سعي للتغيير؟ أم لإبقاء الوضع علي ما هو عليه؟أم لزيادته سوءاً علي سوء؟ هل تغابي؟ هل تعامي؟ أم اعترف وأقر، وأخرج المسكوت عنه إلي السطح، وحرض علي الإصلاح، وثابر، وتحمل العواقب؟.
لقد انشغلت النخب، خلال السنوات الماضية، في معارك صاخبة، شملت المطالبة بضرورة تقوية مؤسسات المجتمع المدني، وعلي رأسها الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية، واستقلال القضاء، ونزاهة الانتخابات...معارك تتراءي لي الآن، وكأنها محاولات بائسة للقفز في الفراغ، أو في أفضل الأحوال، »نطحات« عنترية، في مؤخرة مجتمع متكلس، يقف متبلداً، في منتصف الطريق، ما بين العصور الوسطي والحداثة.
و تغافل عن عمد، الكتاب والمثقفون، في غمرة نضالهم »الإعلامي« النخبوي من أجل الديمقراطية، أنها في الأصل ثقافة لتنظيم الاختلاف، وتصارع الأفكار والمصالح، وليست صناديق للاقتراع، وأن هذا المواطن غيرالمكترث أساساً بالتزوير، والذي قد يمارسه أو يساعد عليه في »شهامة« منقطعة النظير، تحزباً لعصبية أو قبيلة أو مذهب أو دين، أو حتي من أجل حفنة جنيهات، لا يمكن بأي حال، أن يشكل خميرة صالحة، لمجتمع ديمقراطي.
إن المجتمعات لا تتقدم بحجم ثرواتها الطبيعية، ولا بكم الأجهزة الإلكترونية المستوردة التي تستهلكها، ولا بعدد خوازيق وأعمدة المولات والأبراج والكباري العلوية الغائرة في أراضيها، وإنما تبدأ نهضتها، عندما تنبعث شرارة التغيير من الفرد، حين يؤمن بحق شركاء الوطن، في التفكير والإبداع، وحريتهم في اعتناق مايشاءون من مذاهب أوعقائد، دون أن يعطي لنفسه، حق الوصاية علي الآخرين، بحجة أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ويستمسك بناصية الدين الصحيح.
وللأسف الشديد فإن أغلب المناضلين المفكرين يعلمون ذلك، إلا أنهم يؤثرون نفاق الجماهير، وينشغلون، عوضاً عن تغيير الوعي السائد-كما ينبغي أن تكون وظيفتهم الأساسية-إما بجني الأرباح، سواء من خلال المعارضة أو التظاهر بها، أو الانضمام مباشرة إلي الحزب الحاكم... وإما بالانكفاء علي أعمالهم الأدبية والمهنية.
ولا أستثني أحداً... حتي نفسي
منذ نحو عشرين عاماً، سعيت للصحافة، أملاً في منبر أكثر رحابة، أتخذه منصة للتغيير، فلما اصطدم مداد القلم، بلزاجة الواقع، تشرنقت تدريجياً، وقزمت طموحي واختزلته، في مجرد الحفاظ علي نفسي ذاتها، من أن تتغير إلي الأسوأ.
ردة فعل موضوع التغيير »المواطن«، علي أي خطاب عقلاني مفزعة...تستخدم المنطق، يفر إلي الصوت العالي، تستند إلي التاريخ، يلوي عنقه إلي ما قبل التاريخ، تصارعه بالحجة، يقيم الحجة علي نفسه، ويظن أنه قد انتصر، وأقامها لصالحه، تستنكر موقفه الفاشي من الآخر، يهز رأسه مبتسماً، ويتمني لك، في ثقة العارف بالله، التوبة والهداية، تقارعه بالنص الديني، يخرج بك من الملة.. وكل ملة!
أفلح قاسم أمين، في تحرير المرأة قبل أكثر من 100 عام، ففكت أسرها، وخرجت كجزء من الحركة الوطنية، خلال السبعين عاماً الأولي من القرن الماضي، ثم عادت تجر أذيال الخيبة إلي المنفي من جديد، دون أن تري- هي ذاتها- في ذلك خيبة أو وكسة، بل نصرة لمشيئة التيارات السلفية!
العالم كله يسير إلي الأمام، أما نحن فلا نكاد نتحرك خطوة في اتجاه عقارب الساعة، حتي نركل أنفسنا، دهراً إلي الوراء، والغريب أن أحداً لا يري في ذلك غضاضة، بل يطالب الجموع، بالمزيد من التراجع، كسبيل وحيد، للتقدم والازدهار!
التعامل مع النص المكتوب أو المسموع أو المرئي في مصر، يضاهي واقع الشارع، ثنائية كرة القدم، أهلي وزمالك، مسلم ومسيحي، مؤمن وكافر، وطني وخائن، إما معي أو ضدي، لا أحد يتمعن لفك الخط، أو يسعي جاداً لفهم ما تكتبه، وإنما ينهمك المتلقي في القفز بين السطور والمفردات، لتصنيف النص، والزج به، في إحدي خانتين بلونين لا ثالث لهما، الأبيض والأسود.
المشهد السياسي بدوره، تحول إلي لوحة سريالية، أو ما يشبه عرضاً مسرحياً تجريبياً، تتخلله بعض الفواصل الكوميديا: حزب وطني يتحدث عن الريادة، رغم ما نحن عليه من تخلف! وجماعة الإخوان المسلمين تمارس ما يشبه »الاسترتبيز«، وتطرح اختراعاً »حداثياً/ شرعياً«، تطلق عليه الدولة المدنية ذات المرجعية الدينية، وأحزاب معارضة تطالب السلطة، بعدالة التزوير!
تكتيكات انتخابية جديدة، ودوائر »مفتوحة«، ولجان »مغلقة«، وصناديق زجاجية خاوية، في مقر الاقتراع، تكتظ بالأصوات حين تبدأ مرحلة الفرز، ومرشح »وطني« يتنافس- في أحد مظاهر أزهي عصور الديمقراطية- مع مرشح »وطني« علي نفس المقعد، ونجوم كرة وفنانون وسحرة وحواة وبلطجية، تم الدفع بهم علي أرض الحلبة، والحزب الوطني يستخدم الدين، وجماعة الإخوان تستعمل السياسة، ورجب هلال حميدة يكسب باكتساح......وأنا وأنت!
في ظل ذلك كله، أعترف أنه قد مرت فترات، زهدت فيها، حلم التغيير، بل كرهته، باعتباره أصبح مرادفاً لمعاني الإحباط والفشل، وسكنتني مشاعر سيكوباتية تجاه ذلك المواطن »السمج«، الذي يرفض أن يتغير، وتملكتني روح السخرية، من أي صديق، أضبطه متلبساً، بمزاولة التبشير بالتنوير. وتمحورت حول أهداف صغيرة... تطوير محتوي الجريدة، صناعة كوادر جديدة، البحث عن أخبار تهم القارئ، التخطيط لنيل خمسة أيام راحة في العام، بدلاً من رصيدي الخاوي من أي إجازات... إلي آخره.
عندما وصلتني تلك الرسالة، انتفضت في داخلي الشعلة القديمة، وعادت لي سيرتي الأولي، أحسست بالخطر الداهم، وبات من الواضح، أن رفاهية مزاملة اليأس لم تعد متاحة.
يجب أن يخرج علينا الآن من يطرح الأسئلة الجوهرية: هل نحن متسامحون مع الآخر؟ أم نتغني فقط بأناشيد الوحدة الوطنية في المساء، ونضرب بها عُرض الحائط بسلوكياتنا طوال اليوم؟
هل نحن مؤمنون حقاً بحقوق المواطنة؟ أم نلوكها كالببغاوات، دون أن ندري، إنها تعني دفاعنا حتي الموت، عن حق الآخر، في اعتناق ما يشاء من أفكار وقيم وعقائد، وفي التعبير عن إيمانه بها، تماماً كما نبيح لأنفسنا الحق في الدفاع عن ديننا وعقيدتنا، وتحتم وقوفنا إلي جانبه في المطالبة بحقه في دار للعبادة، ووسائل إعلام للتعبير عن رأيه، ودور نشر تطبع أفكاره، وفنون لا تتجاهل وجوده، وانتخابات لا تجتثه من الحياة السياسية.
لابد من كُتَّاب يمسكون المشرط، يشرحون به غشاء الصمت الأبلَه، ويسألون القارئ الذي يدعي السماحة: هل أنت حقا تَقْبَلُ بالآخر صديقاً؟هل تقر له بحقوقه؟هل سبق لك أن أذيته في عقيدته، بإصرارك الدائم- في نطاعة- علي دعوته لترك دينه، لأنك تحبه، وتستخسره فيما هو عليه؟ هل سبق لك أنت -أو أصدقاؤك- أن تعرضتَ لمواطِنة مختلفة الديانة، بألفاظ خادشة للحياء، أو تحمل نوعاً من التبجح، لمجرد أنها تجرأت، وارتدَت سلسلة، تحمل رمزاً دينياً؟
هل تعودت أن تحذر أصدقاءك صراحة، من مخالطة أشخاص بعينهم، بسبب عقيدتهم المختلفة؟ هل تنصح بعدم تناول طعامهم، والبيع والشراء معهم لذات السبب.. اختلاف العقيدة؟!
هل تتلبسك فرحة غامرة، إذا ما تحول البعض إلي اعتناق ما تؤمن به، في الوقت نفسه الذي تتحول فيه إلي وحش كاسر، إذا ما حدث العكس؟
وإذا كانت إجاباتك عن الأسئلة السابقة-أو معظمها بالإيجاب- هل تقوي علي مواجهة حقيقتك المرة، بأنك شخص، لا علاقة له بالتسامح الذي تتماهي به، ولا بحقوق المواطنة التي تكاد تولول من أجل رفعتها، وإنك حقاً ...متطرف؟
هل تعلم السبب وراء كل ذلك الهوس؟
إنه اعتقادك، في الصواب المطلق، لكل ما تمثله، من أفكار وعادات وسلوكيات، واعتقاد وعقيدة، وقيم ومثل، وفي الخطأ المطلق لكل ما يعبر عن الآخر... وهذا تحديداً هو ما يجب أن يتغير.
وأخيراً أعاهدك »حسن«، أن ألاحقك كَظِلِّك، فأنا أحبك، مثلما أحب »مرقص«، حتي ولو أغضبك انصافي في توزيع المحبة. وأترجي منك خيراً، رغم عنادك، وأتوسم- وربما أتوهم- فيك أملاً، رغم تظاهرك بالقسوة، وأنشد مصلحتك، فأنت إن أبيت اليوم الاعتراف بحقوق »جرجس«، سينقلب عليك غداً »أحمد« و»مصطفي« و»محمود«، فالتطرف لايعرف الاختلاف، سواء علي أساس الدين أو العرق أو المذهب أو حتي الرأي.
»أعاهدك »حسن« قبل أن أعاهد »مرقص«، علي أنك لن تمكث وحدك علي أرض الوطن، وأن »مرقص«، أبداً، لن يغادر«.
Merry Christmas