حازم شريف يكتب:
فى طريقها الواضح إلى ما تظن أنه «التمكين» الموعود، متسلحة بسندان الاستقرار، ومطرقة الدستور المعيب، يبدو إصرار جماعة الإخوان المسلمين - وحلفائها السلفيين والجماعة الإسلامية- واضحا، على إشعال ما يشبه المحرقة لحرية الرأى والتعبير، ووأد استقلال القضاء، والسيطرة على نقط ارتكاز ما بات يعرف –اصطلاحا- بالدولة العميقة.
جماعة الإخوان الآن، تمتلك منصب الرئاسة، ودستوراً يتيح لها العصف بالحريات والتحكم فى مؤسسة القضاء، والهيئات الرقابية، وجهاز الشرطة ويضمن تحييد المؤسسة العسكرية، بما أتاح لها من مزايا غير مسبوقة فى أى دستور سابق، تجعل منها دولة داخل دولة «الإخوان وتابعيهم من السلفيين».
أما فيما يتعلق بالإعلام، فقد نص دستور «الظلام»، على انشاء مجلس وطنى للإعلام، يختص بتنظيم شئون البث المسموع والمرئى والصحافة المطبوعة والرقمية، ومن ضمن مسئولياته «حماية مصالح الجمهور، ومراعاة قيم المجتمع وتقاليده البناءة». كما تضمن قيام ما أطلق عليه الهيئة الوطنية للصحافة والإعلام، وهذه تختص بإدارة وسائل الإعلام القومية، أى أن هذا المجلس يحل مقام كل من وزارة الإعلام والمجلس الأعلى للصحافة دفعة واحدة.
وبالقياس على الكيفية التى تم بها التعامل، مع المجلس القومى لحقوق الانسان، والمجلس الاعلى للصحافة، فمن البديهى، أن تكفل التشريعات والتعيينات فى الكيانين الجديدين المعنيين بأمور الإعلام فى الدستور، هيمنة جماعة الإخوان عليهما.
ليس هذا فحسب..فمع هذه القبضة الحديدية على الإعلام، يتسربل دستور الإخوان والسلفيين، بمواد مفخخة، تتيح بسهولة، وعبر وسائل متعددة، العصف بحرية الصحافة، وضرب حرية الرأى والتعبير فى مقتل.
وعلى سبيل المثال وليس الحصر.. تربط المادة 48 حرية الصحافة، بإطار المقومات الأساسية للدولة والمجتمع الواردة فى الباب الأول، التى تتضمن المادة الثانية وتنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع، -وهذا أمر لا خلاف عليه- ولكن الخطير فى الأمر، والمعترض عليه بكل تأكيد، هو اضافة المادة 219 فى صدر فصل الأحكام العامة للدستور، والتى تعطى تعريفاً بالغ الخطورة لمبادئ الشريعة الإسلامية، فتشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الاصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، فى مذاهب أهل السنة والجماعة.
الدستور لم يكتف بتقييد حرية رأى الكاتب، لكنه ذهب فى نفس المادة «48»، إلى تهديد وسائل الإعلام ذاتها بعقوبات تصل إلى حد الفناء، بإتاحة غلق ومصادرة ووقف وسائل الإعلام المختلفة بأحكام قضائية.
والألطف - وشر البلية ما يضحك-، أن المادة 76، قد ابتدعت وضعا جهنميا، يتيح فرض عقوبة بنص دستوري، أى دون وجود تشريع أصلا، ينظم أو يفصل، العقوبات محل التوقيع، اى من القاضى أو المحكمة، مباشرة لنصوص الدستور - خبط لزق -!
من يحدد ماذا وكيف ولماذا وعلى أى اساس فى كل ما سبق؟، سيتعين علينا الذهاب إلى المادة الرابعة فى باب المقومات الأساسية ايضا، تلك التى تنص على أخذ رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف فى الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية.. وهنا لنا ملاحظتان ومثال:
الملاحظةالأولى: ان المادة الرابعة نصت على اختيار شيخ الأزهر من بين هيئة كبار العلماء، من خلال قانون يتوقع بالضرورة أن يعيد تنظيم مؤسسة الأزهر ككل، وبالقياس أيضا على سلوك جماعة الإخوان فى السيطرة على كل المجالس والمؤسسات والهيئات، فلن يكون من الصعب استنتاج أن يؤدى التشريع، إلى سيطرة مماثلة على هيئة كبار العلماء.
الملاحظة الثانية: صحيح أن المادة الرابعة قد نصت على أخذ رأى، ولم تلزم بالأخذ برأى هيئة كبار العلماء فى الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية، ولكن من ذا الذى سيكون بمقدوره أن يتجاهل ذلك السلطان الأدبى لرأى الأزهر فى ظل المد المتنامى لنفوذ التيار الدينى فى الدولة والمجتمع والمؤسسات المختلفة.
وأما المثال، فدعونا نفترض أن العبد لله، قد اقدم لا قدر الله فى المستقبل، على كتابة مقال يدعو لفصل الدين عن الدولة-وليس عن المجتمع-، وأن أحد المتأسلمين لم يرق له ذلك الرأى، حينها سيكون امامه العديد من الطرق والوسائل للتنكيل بكاتب المقال والجريدة التى نشرته. ولنحص بعضها معا:
1 - تقديم شكوى مكتوبة، تتضمن اتهامى بانكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وبالتالى المروق عن المقومات الأساسية للدولة، والتقدم بها إلى المجلس الوطنى للإعلام، والذى سيكون حينئذ، تحت قبضة جماعة الإخوان.
وسيتعين على المجلس وقتها-فى براءة الذئب من دم ابن يعقوب- أخذ رأى هيئة كبار العلماء، للفصل فى شكوى المواطن المكلوم....ورأى هيئة العلماء فى إطار المادة 219، سيتضامن بكل تأكيد مع الشكوى، باعتبارى مرتداً ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، فى ظل استمرار حالة التيبس الفقهي، التى نعانى منها، منذ اكثر من 1200 عام.
2 - رفع دعوى قضائية مباشرة - مع اعادة صدور قانون الحسبة الذى وعد به الشيخ ياسر برهامى-، فحواها الاتهام بالخروج على النصوص الدستورية المنظمة لحرية الصحافة، وعندها سيكون القاضى مضطرا أيضا لأخذ رأى هيئة كبار العلماء، والأدهى أنه ربما سيكون مضطرا لما هو أكثر من ذلك، وهو استطلاع رأيها فى طبيعة العقوبة المفروضة، باعتبار أنه لا قانون ينظم عقوبة، لمثل هذه المخالفة الدستورية!
والأبواب كثيرة لكل من يتربص بالإعلام، ويسعى لإخصائه، وتدجينه، و«تطهيره»، ليس من الفلول - المرحب بهم فى مجلس الشورى ووزارة داخلية وحكومة الإخوان-...ولكن من أى مخالف فى الرأى أو الاتجاه.فما ينطبق على الكاتب، ينطبق على الوسائل الإعلامية نفسها، من خلال نفس المواد، التى لا تكتفى بالتلويح بذبح الكاتب أو الصحفى، ولكن تصل إلى الإجهاز على وسائل الإعلام المخالفة، ولا تجعل امامها من سبيل للاستمرار، سوى الموالاة، أو «التقية» والمهادنة فى أفضل الأحوال!
اليسير فى شرح «بعض كمائن» الإعلام... فى الدستور «الأخير»
حازم شريف يكتب: فى طريقها الواضح إلى ما تظن أنه «التمكين» الموعود، متسلحة بسندان الاستقرار، ومطرقة الدستور المعيب، يبدو إصرار جماعة الإخوان المسلمين - وحلفائها السلفيين والجماعة الإسلامية- و