عبـــث النهايــــات

بقلم -حازم شريف:   أتشكك كثيراً في أن أكون علي قيد الحياة بعد خمسين عاماً. ولكني علي يقين بأنني أتمني أن يحدث ذلك.لسبب وحيد يتجسد في رغبتي الدفينة، أن ألملم...

بقلم -حازم شريف: أتشكك كثيراً في أن أكون علي قيد الحياة بعد خمسين عاماً. ولكني علي يقين بأنني أتمني أن يحدث ذلك.لسبب وحيد يتجسد في رغبتي الدفينة، أن ألملم شذرات ما تبقي لي من صحة حينئذ، وأركزها في عزيمة شاب عشريني، لا كهل مضي عليه دهر يعاشر الاحتضار، وذلك كي ألقم »جزمة« - وليس حجرا - في فم كل من يدعي أن مصر كانت بخير قبل نصف قرن، مستدلاً علي زعمه ببعض الوثائق والتسجيلات التي تدون وقائع تلك المرحلة التاريخية المهمة، إبان قيام التغيير وثورة الاصلاح. >>> تخيل....نحن الآن في عام 2060، بعد نيف وأربعين عاماً، من انفجار الأوضاع، والتي أسفرت عن تولية حكومة شكلتها جماعة الإخوان المسلمين، وطعمتها بعناصر من بعض الأطياف السياسية الأخري، مع تنصيب الدكتور محمد البرادعي، رئيساً للجمهورية. وكما تقول كتب التاريخ المقررة مدرسياً، فإن الحكومة الإصلاحية الجديدة، قد سارعت باتخاذ عدد من القرارات المهمة، أولها إعلان جمهورية مصر العربية الديمقراطية، وثانيها إجراء تعديل دستوري عاجل يقصر تولي رئاسة الجمهورية علي مدتين، علاوة علي تقليص الصلاحيات الممنوحة للرئيس لصالح رئيس الوزراء ومجلسي الشعب والشوري، وثالثها الإعلان عن تأسيس حزب جبهة التغيير الوطنية الحاكم، مع إلقاء القبض علي عدد كبير من قيادات الصفين الثاني والثالث بالحزب الوطني ومحاكماتهم بتهمة الفساد والاستبداد واستغلال النفوذ والسلطة، وذلك بعد أن فرت قيادات الصف الأول إلي الخارج. وتفرغ بعضها لشن حملات مشبوهة، تستهدف تشويه سمعة مصر. تتشابك المعلومات وتختلط الحقائق ما بين الكتب الرسمية من جهة وتلك التي سطرها مؤرخون أغلبهم لاينتمي لجماعة الإخوان من جهة آخري. ففي حين تزعم الثانية أن الإخوان قادوا مخططاً محكماً، للتخلص من العناصر غير الموالية لهم من القوي العلمانية، واستعانوا تدريجياً في المقابل بخبرات عدد كبير من المسئولين والأعضاء السابقين بالحزب الوطني الذي انهار فجأة، وتبخر أعضاؤه الثلاثة ملايين، قبل أن يتقطروا مرة آخري، ويلتحقوا قطرة قطرة -عفوا عضوا عضوا- بحزب جبهة التغيير الحاكم.... فإن الكتب المدرسية تُصر علي أن من تمت الاطاحة بهم هم عملاء وأذناب للغرب، سعوا لهدم الثوابت الوطنية، وخرجوا وحرضوا المواطنين علي الخروج عن القيم الإسلامية. ولذات الأسباب فقد تم لاحقاً تنحية الرئيس البرادعي الموالي للولايات المتحدة الأمريكية، في خطوة تصحيحية جديدة، شهدت علي إثرها البلاد تغيير اسم الدولة للمرة الثانية في أقل من 3 سنوات إلي جمهورية مصر الإسلامية الديمقراطية، باعتبار أن الاسلام إطار أشمل من العروبة، ويسبق الديمقراطية. ونتيجة لهذا السبق، فقد تم إجراء تعديل دستوري مصاحب، تضمن إلغاء مجلس الشوري بصيغته القديمة، واستحداث سلطة جديدة أعلي تحت مسمي مجلس شوري العلماء، تتلخص وظيفته في التأكد من مطابقة جميع قرارات السلطة التنفيذية، والقوانين التي يسنها مجلس الشعب، لأحكام وتعاليم الشريعة الاسلامية. وتذكر الكتب المدرسية تدعمها في ذلك الصحف الحكومية، أن فضيلة البابا، قد أعلن مباركته منذ اللحظة الأولي لجميع الإصلاحات في المراحل المختلفة، وأن الإخوة الأقباط قد حظوا بتمثيل في الحياة السياسية لم يتمتعوا به من قبل، فلم يقل عدد الوزراء منهم عن أربعة في الحكومات المتعاقبة، ومن بينها الحكومة الحالية التي تضم الدكتور بطرس يوسف بطرس غالي، وزيرا للتنمية الاقتصادية، علاوة علي ثلاثة وزراء آخرين، من بينهم امرأة، لحقائب البيئة والتعاون الدولي والقري الذكية التي تم فصلها عن الاتصالات في وزارة مستقلة. كما يتواجد علي الأقل 20 نائبا قبطياً في البرلمان، تحرص الحكومة علي ألا يقل عددهم عن ذلك في أي انتخابات نيابية. وحتي هذه اللحظة لا تزال الاتهامات قائمة بين الحكومة والمعارضة فيما يتعلق بتزوير الانتخابات، إذ تطالب المعارضة، بتنقية جداول الناخبين، وعودة الإشراف القضائي بعد أكثر من ستين عاما من استبعاده في ظل النظام السابق، وكذلك حرية تأسيس الأحزاب والصحف بمجرد الاخطار، في حين يرُّد الحزب الحاكم بأن مصر تعيش في أزهي عصور الحرية، وأن استبعاد القضاء يأتي محافظة علي استقلاليته من تورطه في السياسة. أما بخصوص طالب الصف السادس الابتدائي الذي صرح مؤخرا لأحد الصحف المعارضة، بأنه ابتكر برنامجاً يمكنه أن ينقي الجداول الانتخابية في ثلاث دقائق، ويتيح إجراء التصويت الكترونياً من خلاله للمواطنين داخل وخارج مصر ... .فقد أعلنت الصحف الحكومية أنه مجرد طالب فاشل بعد رسوبه في اختبار الشهادة آخر العام. وقد لجأ النظام الجديد إلي التحالف مع القوي البازغة في الشرق وعلي رأسها العملاق الصيني، في مواجهة الغرب المتراجع ودعم ذلك طليعة من شباب الحزب، تلقوا تعليمهم في الجامعات الآسيوية المتقدمة، وارتبطوا بثقافات شعوبها، كما لاقي هذا التوجه استحسان مجلس العلماء، وأصلوا له بسيل من الفتاوي والأحكام والأحاديث، وعلي رأسها »اطلبوا العلم ولو في الصين«.وذلك في مواجهة الإسلاميين المتشددين الذين أثموا التعاون مع الآسيويين، باعتبارهم كفارا لا يعتنقون حتي أياً من الديانات السماوية. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد بعث نجاح مرشح الحزب الديمقراطي جيمس زويل - حفيد العالم المصري المعروف - في انتخابات الرئاسة... الأمل في أوساط الأمريكيين، خاصة أنه قد قاد حملته للترشح تحت شعار»لماذا تخلفنا؟« ، وتعهد عقب نجاحه، بتنفيذ خطة تستغرق خمس سنوات تستهدف عودة الغرب بزعامة الولايات المتحدة، لمنافسة التجمع الآسيوي بزعامة الصين. أما في مصر، فبعد أكثر من أربعين عاماً من حكومات حزب جبهة التغيير المتعاقبة، شهدت سنواتها الأولي مدا وزخما ونموا وأملا، بات المشهد في النهاية أشبه بالبارحة وكل بارحة. فرجال الحزب الوطني القديم باتوا يسيطرون علي مقاليد الأمور، حتي إن عدداً كبيراً من الوزراء ورؤساء الوزراء، كانوا من شباب نوادي حورس وجمعية المستقبل في بدايات القرن، كما استمرت نفس العائلات التقليدية تحكم مصر بلا إضافات تذكر سوي بعض العائلات الإخوانية، كالشاطر والعريان وحبيب والهضيبي وعاكف. وشيئا فشيئا فقدت جموع الجماهير الأمل في التغيير والثقة في الحزب وحكومته، وتفاقمت معدلات الفقر والفساد وانتشرت الرشوة والمحسوبية، وتباعدت الفوارق والفجوات الطبقية. وعلي مدار السنوات الأخيرة دأبت وسائل الإعلام الحكومية علي اعتبار مطالبات الرئيس الصيني المنتخب للنظام المصري بتحسين سجله في مجال حقوق الانسان وتزوير الانتخابات، بمثابة تدخل سافر لايمكن قبوله، حتي ولو جاء علي لسان رأس أكبر قوي عالمية، إلا أنها أشادت في نفس الوقت بردود الفعل الحكيمة للنظام، والتي تمثلت في تصريحات لرموزه تؤكد فيها عمق ومتانة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. وبمرور الوقت تراجعت الشواطئ الاسلامية التي كان النظام قد عممها في أنحاء البلاد لمصلحة المنتجعات الساحلية الخاصة التي شيدها طبقة رجال الأعمال المرتبطة بالحكم. وكان العالم قد أصبح قرية صغيرة جدا، تقطع طائراته الحديثة المسافة من بكين إلي القاهرة في أقل من ساعة، في حين بات الكون ذاته ولاية كبيرة، تجوب المركبات الفضائية كواكبه المختلفة في رحلات منتظمة يومية. وتطورت تكنولوجيا الهندسة الوراثية والخلايا الجذعية-التي تم تحريم استخدام أهم تطبيقاتها محلياً - حتي صارت الدول في أرجاء الكرة الأرضية-فيما عدا حفنة من الدول في مقدمتها مصر-تعاني من مشكلات اجتماعية جديدة. فمتوسط عمر الانسان في الصين مثلا بلغ 200 عام يعيشها موفور الصحة، حتي يمل ويقدم هو نفسه علي الانتحار أو الانزواء وحيدا متعبدا في إحدي المستعمرات الأرضية علي كوكب المريخ. كما قاربت الفوارق الطبقية علي التلاشي في ظل نهضة نظم التعليم والتوسع في استخدامات الهندسة الوراثية وتوافرها للجميع ، حتي ظهرت أجيال تتمتع كلها بنفس القدر من الذكاء والقوة، ونجحت جمعيات أهلية رفعت شعارات من عينة »جميعنا بيل جيتس« نسبة إلي مخترع نظام تشغيل الويندوز الشهير في القرن الماضي، و»كلنا نملك نفس القدر من الذكاء والمعرفة فلماذا لا نجني نفس الدخل؟« في الضغط علي الحكومات لإجراء توزيع عادل للثروة. وقد تحللت النقابات العمالية في الدول المتقدمة بعد ارتفاع الحد الأدني للأجور بها إلي مستوي الرفاهية، في حين اقتصر عمل التجمعات المهنية علي التثبت من اتباع الأعضاء لمواثيق شرف المهنة، وتداول البحوث، وعقد المؤتمرات العلمية بنظام الفيديو كونفرانس. أما في القاهرة فلايزال اتحاد عمال مصر شامخاً، يسيطر عليه الحزب وحكومته، اللذين يبسطان نفوذهما أيضا علي النقابات المهنية. وفيما يخص نقابة الصحفيين، تمثل التغيير الوحيد في ارتفاع قيمة بدل التكنولوجيا إلي 5000 جنيه شهرياً، تعادل قيمة وجبة عشاء لفردين في مطعم متوسط المستوي بالعاصمة. وفي ظل كل هذه الظروف بدأ بعض المحللين في توجيه النقد للنظام الحالي، وأكدوا أنه وأعوانه قد بالغوا في تشويه وجه نظام الحزب الوطني السابق، بغرض تبرير الإطاحة به، وتزيين ما يتم ارتكابه من ممارسات. وفي هذا الإطار كتب أحدهم: في مطلع هذا القرن ورغم كل ما زرعه النظام في أذهاننا عن استبداد الحزب الوطني الديمقراطي، كانت الصحف القومية في تلك الفترة تعج بعشرات المقالات لكتاب وطنيين أمثال:عبدالله كمال وممتاز القط ومحمد علي إبراهيم ينتقدون وزراء في الحكومة بل رئيس الحكومة ذاتها.. أين نحن من ذلك الآن؟ صحيح أن بعض رؤساء التحرير الحاليين يقومون بذلك، ولكن كلنا نعرف أنه يتم في اطار تصفية الحسابات بين رموز وأقطاب النظام!« وكتب محلل سياسي »مقعر« معارض بارز: »علي مدار أكثر من مائة وخمسين عاماً، لم تشهد مصر سوي حزبين جماهيريين حقيقيين، حزب الوفد ما قبل ثورة يوليو 52، والحزب الوطني في مرحلة ما بعد حرب أكتوبر. ويفوق الوطني الوفد في أنه كان أكثر تجذرا وحداثة، فالوثائق تحدثنا عن انتشار شبكة أعوانه الأعضاء في أنحاء البلاد، بما يفند مزاعم حزب جبهة التغيير عن تزوير الوطني للانتخابات في عصره. كما أن الوطني قد نجح في سنواته الأخيرة في استقطاب الآلاف من النخبة المهنية من الاقتصاديين ورجال الأعمال وأساتذة العلوم السياسية والأطباء والمهندسين والاعلاميين والمحامين، صحيح أن أغلبهم قد ولج للحزب دون أي خلفية أو تنشئة سياسية في انتهازية لا يمكن إنكارها أملا في تصعيد، أو حفاظا علي، أو تحقيقا لمصلحة شخصية، إلا أنه من المؤكد أن تجميع كل هذه العقول، يعد انجازاً للحزب وقياداته. وأزعم انه لو قدر للحزب الوطني بتركيبته تلك، أن يحكمنا حتي الآن، فإن الأوضاع ما كانت لتبلغ ما تردت إليه من سوء، بل وظني أن مصر لكانت تتنافس الآن مع النمور الآسيوية«. >>> وعند هذا الحد من الابتذال، لاح مناي من طول العمر علي مرمي البصر، رغم ضعفه، وما علي الآن سوي استجماع قواي، وما راكمته بصبر من أحذية في انتظار اللحظة الحاسمة.