سابقة فرنسا لإعادة كتابة التاريخ (4).. (منهجية الاستعمار الجديد وآليات التحرر منه)

محمد بكري

مازلت معجبا بالهندسة القانونية التي بُني بها القانون الفرنسي الجديد 351/2026 لرد الآثار! فالمتاحف الفرنسية تحوز ما يزيد على 600.000 قطعة من المستعمرات، وكل قطعة تُعاد بموجب القانون تُنشئ حجة ضمنية للاحتفاظ بما لم يُطلب أو لا يستوفي الشروط.

فالاعتراف الجزئي من الدول المطالبة ُسيُسكت المطالبة الكاملة — وهذا هو الهدف غير المُعلن من القانون، وقبول مبدأ رد الآثار يُغلق الباب أمام من يطالب بتعويضات اقتصادية وتاريخية أشمل! والدول التي ستقبل القانون تُقرّ ضمنياً بأن هذا هو سقف مطالبتها، ليكون الرد الفرنسي بالآثار المنهوبة بديلًا ذكيًا عن التعويض المالي الشامل عن حقبة الاستعمار! فرنسا أُخرجت عسكرياً من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى بين 2021 و2024، وروسيا والصين تملآن الفراغ بسرعة، فصدر القانون في اللحظة التي تحتاج فيها فرنسا لبادرة حسن نية رمزية تُعيد بها بناء علاقاتها الأفريقية والدولية. على صعيد آخر؛ فتاريخ 1815 ليس محايداً — ولكن هو قرار فرنسي يُقصي غنائم نابليون في مصر وأوروبا عمداً، واستثناء نظام التقاسم الأثري يُضفي شرعية بأثر رجعي على نظام كان تجسيداً لعلاقات قوة مختلة، ففرنسا تكتب التاريخ مرتين: مرة حين أخذت، ومرة حين قررت ماذا تُعيد؟ خاصة أن فرنسا سبقت ألمانيا وهولندا في التطبيق الفعلي لرد الآثار بسن تشريعها الدائم فاستعادت موقع القيادة الأخلاقية الأوروبية.
أما الدول المستفيدة من القانون فستحتاج لبناء علاقات مؤسسية مع اللجان الفرنسية، وشراكات علمية وأثرية مصاحبة لعمليات الرد تُعيد إنتاج الحضور الفرنسي الأكاديمي والثقافي، فالآثار تعود لكن المرجعية العلمية في إدارتها ستبقى فرنسية، (وهو ما يعرف بحلول استعمار الخبرة محل استعمار الأرض – فالآثار تعود لموطنها ولكن تحت مدرسة فرنسية جديدة)، وفي ذات الوقت القانون يضع بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال في موقف دفاعي أمام الرأي العام الدولي، لتغنم فرنسا تُحول ملف الآثار لورقة ضغط في المنافسة الأوروبية على النفوذ الأفريقي والدولي، بصورة تجعل من يتأخر في التشريع (من نادي دول ورثة الغزو) يدفع ثمناً في صورة عزلة أخلاقية دولية متصاعدة! ويجعل القانون الفرنسي الداخلي يُقدّم الرد بوصفه منحة سيادية طوعية لا اعترافاً بحق مطالَب به قانوناً، هذا التوصيف يُغلق باب التوصيف القانوني الملزم ويحول دون أي سابقة قضائية دولية ضد فرنسا!
ففرنسا بمنتهى الذكاء القانوني تُجرّد خصومها من سلاح المحكمة قبل أن يستخدموه! وبالتالي فالقانون الفرنسي 351/2026 ليس نهاية الاستعمار بمعناه المعروف، ولكنه تطوير لاستعمار قانوني وثقافي، في آخر صوره وأكثرها تطوراً، (وأقصد به استمرار السيطرة على تعريف الحق وشروط ممارسته بعد زوال السيطرة المادية المباشرة على الأرض) لذلك فهو استعمار لا يحتاج جيشاً ولا أسطولاً ولا حاكماً عاماً — يحتاج فقط لمن يملك قلم التشريع وصلاحية تعريف العدالة.
ببساطة؛ القانون — بضوابطه الزمنية والجغرافية واستثناءاته — يُرسي حجة قانونية للاحتفاظ بكل ما هو خارج نطاقه، فمنطق اللعبة: إذا اعترفت بأن القطع “أ” و”ب” كانت منهوبة وأعدتُها، فذلك يُقوّي موقفي في رفض المطالبة بالقطع “ج” و”د” و”هـ” لأنها لا تستوفي معاييري! بمعنى أوضح فالقانون يُعطي فرنسا حصانة قانونية-أخلاقية نسبية على ما تحتفظ به، عبر التضحية الطوعية بجزء مُحدد ومحسوب، واستثناء نظام التقاسم الأثري يُضفي شرعية قانونية بأثر رجعي على نظام كان في حقيقته تجسيد لعلاقات قوة غير متكافئ بين الدول الحائزة والدول المنشأ.
ولكي نفهم الهندسة القانونية المصمم بها القانون، دعونا نستعرض المحاور التالية: الدول التي تخضع للقانون ويمكنها المطالبة فعلا؛ الجزائر، السنغال، مالي، غينيا، ساحل العاج، بنين، بوركينا فاسو، النيجر، موريتانيا، الجابون، الكونغو، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، مدغشقر، جيبوتي، جزر القمر، تونس، المغرب، فيتنام، كمبوديا، لاوس، المكسيك (مخطوطات أزتيكية محددة) – الدول الخاضعة للقانون والرد غير مضمون أو طلباتها قابلة للرفض؛ الجزائر — بالنسبة للقطع العسكرية كسيف عبد القادر ومدفع بابا مرزوق (محجوبة بالاستثناء العسكري)/ سوريا ولبنان — وضع قانوني غير محسوم (انتداب لا استعمار مباشر)/ الصين — قطع القصر الصيفي 1860 - دول مؤهلة زمنياً لكن محجوبة باستثناء الغنائم العسكرية وصعوبة إثبات المصدر/ توجو والكاميرون — وضع استعماري مشترك مع ألمانيا يُعقّد الأهلية/ أي دولة تعجز عن تقديم “قرائن جدية ودقيقة ومتطابقة” على الاستيلاء غير المشروع – دول آثارها تحوزها فرنسا ولا يجوز ردها بالقانون الجديد؛ مصر — الحملة الفرنسية (1798–1801) قبل 1815، وزودياك دندرة يُصنّفه اللوفر “شراءً قانونياً”، ومعظم القطع مشمولة باستثناء نظام التقاسم الأثري/ اليونان — فينوس دي ميلو ولوحة الإرغاستينات دخلت قبل 1815 أو عبر نظام أثري/ إيران والعراق — آثار سوسة وغيرها دخلت عبر نظام تقاسم الفواتير المستثنى صراحةً/ الهند وأفغانستان — دخلت عبر بعثات علمية واستكشافية خارج إطار الاستعمار الفرنسي المباشر/ إيطاليا وإسبانيا وبولندا وأوروبا — غنائم نابليون قبل 1815/ المكسيك (ما قبل كولومبوس) — معظمه قبل النطاق الزمني أو خارج الاستعمار الفرنسي المباشر).
مجموعات مهمة جدا تخرج قصدا عن تطبيق القانون؛ مصر: كل قطع الحملة الفرنسية 1798–1801، لوقوعها خارج النطاق الزمني للقانون، زودياك دندرة لاحتجاج اللوفر بتوفر (شراء قانوني) بموافقة الحاكم، تمثال الكاتب الجالس وآلاف قطع اللوفر الذي يحتج بدخولها عبر نظام تقاسم الفواتير (Partage) المستثنى صراحةً، مجموعات البيبليوتيك ناسيونال الأثرية دخلت بتقاسم فواتير وشراء تجاري – الصين: قطع القصر الصيفي (يوانمينغيوان) المنهوبة 1860 محجوبة باستثناء “غنائم الحرب” (البند الخامس من القانون) رغم أنها ضمن النطاق الزمني، مخطوطات دونهوانغ (متحف غيميه والبيبليوتيك ناسيونال) للاحتجاج بأنها جُمعت عبر بعثة علمية-استكشافية لا استعمار مباشر – اليونان: فينوس دي ميلو رغم دخولها 1821 لكن عبر “شراء” في ظل السيطرة العثمانية لا استعمار فرنسي وبالتالي لا يستوفي شرط الاستيلاء غير المشروع، لوحة الإرغاستينات (شظية البارثينون) جُمعت 1789 قبل النافذة الزمنية – العراق وايران: إفريز الرماة وتيجان أعمدة سوسه (اللوفر) الألواح المسمارية والآشورية، دخلت عبر تقاسم الفواتير طبقا لسجلات اللوفر – الهند وافغنستان: مجموعات متحف غيميه (عاجيات بيغرام، وجوه هدة، جداريات باميان) من بعثات علمية-استكشافية خارج الاستعمار الفرنسي المباشر – إيطاليا وإسبانيا وبولندا وهولندا (غنائم نابليون) : عرس قانا” لبولو فيرونيزي (مسروقة من البندقية 1797)، لوحات المارشال سو الإسبانية، باقي غنائم الحروب النابليونية، وكلها خارج النطاق الزمني للقانون كلياً، ولا سبيل قانونيًا تحت هذا القانون - المكسيك (الحضارات ما قبل كولومبية): Codex Borbonicus (1826) دخل بعد 1815 لكن لا يمكن إثبات “الاستيلاء غير المشروع” بمعنى القانون، وليس نتاج استعمار فرنسي مباشر (الطلب قائم لكن غير مضمون النجاح).
الصورة المتكاملة لاستعراض المحاور السابقة، تجعل هندسة القانون الجديد لا تتضمن نصا يُحصّن فرنسا من المطالبات الخارجة عن نطاقه، ولا نص يُسقط حق مصر أو الصين أو غيرهما في المطالبة، ولا نص يُعلن أن ما خرج قبل 1815 أو عبر التقاسم الأثري أصبح ملكاً نهائياً لفرنسا! ولكن عمليا وواقعيا، القانون رسّخ ضمنياً أن ما خرج قبل 1815 أو عبر التقاسم “محسوم” بآليات أخرى — دون أن يقول ذلك صراحةً، مصر والصين تظلان مطالبتَين بالإثبات عبر مسارات أصعب وأطول، القانون قدّم الرد كـ”منحة طوعية سيادية” لا اعترافاً بحق — وهذا يُغلق باب أي توصيف قانوني دولي ملزم مستقبلاً، لتكون الآلية الجديدة هي أن فرنسا تستطيع القول: “أنشأنا آلية عادلة — تقدّموا بطلب إن توافرت الشروط” — مما يُضعف الضغط الأخلاقي والسياسي.
من هنا تظهر أهمية مناقشة فكرة هل القانون الجديد 351/2026 صورة مطورة لاستعمار قانوني ثقافي جديد يحتاج حركة تحرر موضوعية توازن المفهوم والأثر نفسه؟ ففرنسا نفسها اعترفت بأن الاستيلاء الاستعماري يُنشئ التزاماً — لينتقل النقاش من “هل يوجد التزام؟” إلى “من يستحق؟” وتتطور مناقشة وتوسعة مبدأ “الاستيلاء غير المشروع” ليشمل البيئة القانونية المنشئة لخروج الآثار أساسا؟
لا شك أن تصنيف وتوصيف الدول السابق ذكرها (20 دولة تقريبا)، يخلق ناديا جديدا لاستعادة السيادة التاريخية من أصحاب المصالح المشتركة لاستعادة تراثهم الثقافي بصورة عادلة ، سواء كانت من الدول الخارجة عن النطاق الزمني للقانون كمصر، اليونان، إيطاليا، إسبانيا، المكسيك (الحضارات القديمة)، وتلك الخارجة بسبب الاستثناءات مثل الصين (الغنائم العسكرية)، إيران والعراق (تقاسم الفواتير)، الجزائر في قطعها العسكرية، أو تلك الدول الداخلة في القانون لكن طلباتها مرشحة للرفض، كأي دولة تعجز عن إثبات “الاستيلاء غير المشروع” بمعنى القانون الضيق! بمعنى آخر يمكن لنادي هذه الدول (مع اعتبار المصالح الدولية والضغوط السياسية) أن يؤسس منهجية قانونية تاريخية مقابلة للقانون 351/2026 عندما سأل: هل خرجت القطعة بمخالفة قانون وقتها؟، ليقوم نادي استعادة السيادة التاريخية بتحويل السؤال إلى “هل كان القانون نفسه يعبّر عن إرادة وطنية حرة؟” - فإذا كان الاستعمار يُنشئ التزاماً بالرد طبقا للقانون، فالاحتلال والتبعية والبيئة القانونية المختلة تُنشئ التزاماً مماثلاً، يحق معه للدول المتضررة إعادة كتابة التاريخ بدورها! فالأصل هو مبدأ السيادة التاريخية للدول، الذي يعبر عنه (نادي استعادة السيادة التاريخية)، بمنهجية واضحة لتفعيل هذه الاستعادة، ليكون جوهر المبدأ الجديد هو: المشروعية تُقاس بحرية الإرادة لا بشكلية الوثيقة.
ولهذا حديث وإستراتيجية أخرى!
* محامى وكاتب مصرى
[email protected]