خواطر مواطن مهموم 443.. الموقف في الحرب الأخرى

يعني فقط أنها استردّت زمام المبادرة ونجحت نجاحًا باهرًا في رفع كلفة الحرب بالنسبة للروس

توفيق اكليمندوس

في نهايات سنة 2025 بدا المشهد واضحًا... الجيش الروسي نجح في تقليص الفارق التكنولوجي بينه وبين الجيش الأوكراني،وكان يتقدم ببطء شديد على عدد من المحاور، ويخسر كمًّا هائلًا من الأرواح، ولكنه يتقدم، أوكرانيا تقاوم ببسالة مثالية، لكنها تعاني نقصًا مريعًا في أعداد القوات، والمستقبل مكفهرّ أمامها لأن الرئيس الأمريكي الجديد القديم أنهى أغلب أشكال المساعدات، وتبنّى مقاربة منحازة بوضوح إلى روسيا، لأسباب لن نخوض فيها مكتفين بتأكيد أنها مبنية على حسابات خاطئة وأوهام حول إمكان إبعاد روسيا عن الصين، وإمكان التوصل إلى اتفاقات تجارية مُربحة مع موسكو.

ومع انتهاء أول سبعة أشهر لسنة 2026 تغيرت بوضوحٍ ملامح المشهد. لم تنعكس تمامًا، فما زالت روسيا تتقدم على عدد من الجبهات المهمة، لكنها تتراجع على مسارح أخرى، وارتفع معدل خسائرها في الأرواح وفقًا لأغلب التقديرات،وباتت عاجزة عن تعويض خسائرها في هذا المضمار، أعداد الذين يلتحقون بالقوات المسلحة شهريًّا بات أقل من أعداد القتلى والجرحى، قد تجد موسكو حلًّا لهذه المشكلة، بإعلان تعبئة جزئية أو بأسلوب آخر، لكن ظهور هذا التحدي أمر دال.

إضافة إلى ذلك، يقول الخبراء العسكريون إن مستوى أداء المجنّدين الجدد أقل بكثير من مستوى من شارك في المعارك خلال السنوات الماضية، وفي المقابل نجحت القوات الأوكرانية في تطوير أدائها نسبيًّا.

مشكلة موسكو الرئيسة هي نجاح أوكرانيا في ضرب الداخل الروسي، وفي إلحاق أضرار جسيمة لبنية الطاقة وللمصانع الحربية الروسية، ولبحريتها وأسطولها المدني وخطوط مواصلاتها، وفي فرض نوع من الحصار الجوي على جزيرة القرم المحتلة، وفي تدمير منشآت الكهرباء بها وفي عرقلة الإمدادات بقصف مستمر على طرق المواصلات بفضل استخدام كثيف للمُسيّرات. باختصارٍ، نجحت أوكرانيا في رفع كلفة الحرب لروسيا، ليس فحسب على الصعيد المادي، بل أيضًا على الصعيد المعنوي، نجاح أوكرانيا في قصف موسكو؛ وهي مدينة تتمتع بحماية دفاعات قوية للغاية، وفي التسبب بأزمة حادة للوقود في عموم روسيا، أرسل رسالة قوية للمواطن الروسي الذي أوهمه النظام أن الحرب لا كلفة لها.

لسببٍ أو آخر استردّت أوكرانيا التفوق التكنولوجي،ويختلف الخبراء في تفسير هذا، البعض يري أن الجيش الروسي تصوَّر أنه عثر على روشتة النصر والخطة المحققة له، ولم ينتبه إلى جهود أوكرانيا في التعامل مع أزمتها، والبعض الآخر يتقدم بتفسير مختلف، روسيا طورت فعلًا سنة 2025 تقنيات جديدة، وكانت على وشك إدخالها وتعميمها، لكن هذه التقنيات والمُعدات كانت تعتمد على شبكة أقمار ستار لينك، المملوكة لماسك، الذي قرر فجأة منع روسيا من استخدامها، وهناك اجتهادات كثيرة تحاول تفسير هذا القرار.

لا يعني كل هذا أن أوكرانيا ستنتصر، يعني فقط أنها استردّت زمام المبادرة، ونجحت نجاحًا باهرًا في رفع كلفة الحرب بالنسبة للروس، لكن كييف ما زالت تواجه تحديات ضخمة، ولا يتصور أي خبير إمكان شن هجوم يسمح باسترداد أجزاء من الأراضي التي سرقتها موسكو.

من ناحية، تعاني كييف نقصًا حادًّا في منظومات الدفاع الجوي، والمسئولُ الأول عن هذا النقص هو الرئيس ترامب وقراره بشنّ حرب على إيران. هذه الحرب وضرورات الدفاع عن دول الخليج الشقيقة الحبيبة استهلكت أجزاء كبرى من المخزون الأمريكي، ما تم استهلاكه في خمسة أشهر أكثر مما استهلكته أوكرانيا في أربع سنوات. ويعني هذا النقص أن النظام الروسي يستطيع أن يقصف المدن الأوكرانية كما يشاء تقريبًا. ومن ناحية أخرى لم تنجح أوكرانيا في حل مشكلة نقص أعداد القوات، وأخيرًا وليس آخرًا السنة المقبلة هي سنة انتخابات في أوروبا، وفرص فوز الأحزاب المُوالية لروسيا ليست قليلة.

الغرب وأوكرانيا قبلا فكرة وقف إطلاق نار على خطوط القتال كما هي الآن، لكن موسكو تريد مزيدًا من الأراضي.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية