تواجه منظومة زراعة محاصيل الخضر في مصر تحديات غير مسبوقة تضع المزارع المصري في مأزق مالي حرج، إثر القفزات المتتالية في تكاليف الإنتاج التي بلغت مستويات قياسية، وسط مطالبات بضرورة التدخل لإعادة التوازن للأسواق لضمان استدامة الإنتاج الزراعي الذي يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي القومي.
وفي هذا السياق، أكد حسين عبد الرحمن أبو صدام، نقيب عام الفلاحين، أن تكلفة زراعة فدان الخضروات بمختلف أنواعها، مثل الطماطم والبطاطس والكنتالوب والبطيخ وغيرها من المحاصيل الأساسية، قد قفزت بشكل جنوني لتصل إلى نحو 150 ألف جنيه للفدان الواحد في بعض العروات بالأيجار.
وأوضح أبو صدام أن الأسعار الحالية التي تُباع بها معظم هذه المحاصيل في الأسواق الناشئة أو من أرض المزرعة باتت لا تغطي بأي حال من الأحوال تكاليفها الإنتاجية الفائقة، الأمر الذي يكبد المزارعين خسائر مالية فادحة قد تدفع الكثيرين منهم إلى العزوف عن الزراعة في المواسم المقبلة، مشيرًا إلى أن الفلاح أصبح حلقة ضعيفة في منظومة تتأثر بشدة بالتقلبات الاقتصادية دون وجود آليات حماية مرنة تضمن له هامش ربح عادل.
وأرجع نقيب الفلاحين هذا الارتفاع الحاد في التكلفة إلى جملة من العوامل المتشابكة، على رأسها الارتفاع القياسي في أسعار الأسمدة الكيماوية والمدعم منها وغير المدعم بالأسواق الحرة، إلى جانب التضاعف المستمر في أسعار التقاوي والشتلات، وارتفاع تكاليف السولار والكهرباء اللازمة لعمليات الري ومجابهة التغيرات المناخية التي تتطلب ضخ مياه بشكل مكثف لحماية المحاصيل. وأضاف أبو صدام أن تكلفة إعداد الأرض للزراعة من حرث وتخطيط، بالإضافة إلى بند "العزيق" المتكرر لمقاومة الحشائش والأمراض، فضلًا عن إيجار الأرض نفسه، كلها مصروفات تضاعفت بشكل يفوق القدرة المالية للمزارع البسيط.
ومن جانبه، قال محمد مصطفى، أحد مزارعي الخضروات بمحافظة البحيرة، إن الواقع الحقلي أصبح شديد الصعوبة ومحاطًا بالمخاطر المادية، حيث لم يعد العائد من بيع المحصول يغطي الأعباء اليومية للزراعة.
وأوضح مصطفى أن بند أجور العمالة يلتهم وحده جزءًا ضخمًا من الميزانية، بدءًا من عمليات الجور وزراعة الشتلات، مرورًا بعمليات العزيق المستمر والتسميد، وصولًا إلى تكاليف الجمع والحصاد والنقل إلى أسواق الجملة، مؤكدًا أن المزارع يجد نفسه مجبرًا على البيع بأسعار متدنية نتيجة لزيادة المعروض في بعض الفترات أو بسبب استغلال بعض الوسطاء والتجار في غياب منظومة فاعلة للزراعة التعاقدية في قطاع الخضر.
وأشار إلى أن تكلفة ري الفدان ومصروفات الصيانة الدورية لشبكات الري الحديث أو الآلات الزراعية أصبحت عبئًا ثقيلًا يُضاف إلى فاتورة الإنتاج الإجمالية، مما جعل الفلاح يستدين لإنقاذ محصولة دون أمل حقيقي في تحقيق هامش ربح يعينه على المعيشة والوفاء بالتزاماته.
وتكشف هذه الأزمة الميدانية عن فجوة واسعة بين السعر الذي يدفعه المستهلك النهائي في الأسواق ومعدلات الإنفاق الحقيقية التي يتكبدها الفلاح في أرضه، مما يتطلب تحركًا عاجلاً من الجهات المعنية لمراجعة منظومة تداول محاصيل الخضر، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار عادلة، وتفعيل الرقابة على الأسواق لإنقاذ الفلاحين من دوامة الديون الحتمية.