إعفاء العقوبات لا ينعش الطلب الآسيوي على النفط الإيراني

آسيا عززت مشترياتها

النفط

تتجه الصين إلى الاحتفاظ بموقعها كمستورد رئيسي للنفط الإيراني رغم قرار الولايات المتحدة منح إعفاء مؤقتاً يسمح ببيع النفط والمنتجات البترولية الإيرانية حتى 21 أغسطس المقبل، في وقت تؤكد فيه مؤشرات السوق أن معظم المصافي الآسيوية لا تمتلك حالياً حاجة ملحة لشراء خام إضافي بعد تأمين احتياجاتها للأشهر المقبلة.

وذكرت وكالة رويترز أن الإعفاء الأمريكي، الذي يأتي في إطار الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق سلام نهائي مع طهران، من غير المتوقع أن يؤدي إلى تدفق طلبات شراء كبيرة من كبار المستوردين الآسيويين، حيث أبرمت العديد من المصافي عقود توريد تغطي احتياجاتها حتى أغسطس، مستفيدة من تنوع مصادر الإمدادات خلال الأشهر الماضية.

آسيا عززت مشترياتها 

خلال فترة اضطرابات الإمدادات الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز منذ مارس الماضي، سارعت المصافي الآسيوية إلى زيادة وارداتها من الولايات المتحدة وروسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لتأمين احتياجاتها النفطية.

ومع بدء عودة حركة الملاحة تدريجياً عبر المضيق، أصبحت الأسواق تواجه وفرة متزايدة في المعروض النفطي، خاصة مع سعي المنتجين في الشرق الأوسط إلى دفع المشترين لاستلام الكميات المتعاقد عليها ضمن الاتفاقات السنوية طويلة الأجل.

وأكدت مصادر في قطاع التكرير الهندي أن الشركات كانت قد استبقت أي تطورات سياسية عبر تأمين احتياجاتها النفطية مسبقاً، بل إن بعضها قام بشراء شحنات إضافية للتسليم خلال أغسطس بعلاوات سعرية فوق المستويات المعتادة.

الصين المستفيد الأكبر 

يرى محللون أن الصين ستكون المستفيد الأكبر من تخفيف القيود على صادرات النفط الإيراني، نظراً لاستمرار احتياجاتها الكبيرة من الخام سواء لتشغيل المصافي أو لتعزيز الاحتياطات الاستراتيجية.

وقال سوميت ريتوليا، المحلل الرئيسي لدى شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة الناقلات، إن وفرة الإمدادات لدى الهند حتى أغسطس تجعل الصين المرشح الأبرز للاستفادة من أي زيادة في صادرات النفط الإيراني خلال الفترة المقبلة.

وتبقى المصافي الصينية المستقلة، المعروفة باسم "تي بوت"، أكبر مشترٍ للخام الإيراني، رغم تراجع نشاطها نسبياً خلال الأشهر الأخيرة نتيجة خفض معدلات التشغيل والإنتاج منذ مايو الماضي.

طهران تستعد لزيادة الصادرات

تتحرك إيران بسرعة للاستفادة من فترة الإعفاء المؤقت عبر زيادة صادراتها النفطية إلى أقصى حد ممكن.

وأفادت مصادر بالسوق بأن الشركة الوطنية الإيرانية للنفط بدأت بالفعل التواصل مع عدد من المشترين الآسيويين لاستكشاف فرص بيع شحنات جديدة، كما تعمل على دراسة الأسعار التنافسية للخام المورد إلى الصين لتحديد مستويات التسعير المناسبة.

وفي المقابل، أوقفت بعض الجهات المصدرة الإيرانية مؤقتاً عروض البيع إلى مقاطعة شاندونغ الصينية في انتظار تقييم حجم الطلب المحتمل من أسواق أخرى قد تعود إلى شراء النفط الإيراني لأول مرة منذ سنوات.

بحسب بيانات شركة "فورتكسا" المتخصصة في تتبع حركة النفط العالمية، ارتفعت كميات النفط الإيراني المخزنة على متن الناقلات بنحو 6 ملايين برميل خلال 48 ساعة فقط.

وتشير البيانات إلى أن إجمالي النفط الإيراني العائم في البحر يبلغ حالياً نحو 126 مليون برميل، يوجد ما يقرب من نصفها بالفعل في آسيا، سواء في بحر الصين الجنوبي أو البحر الأصفر، بينما تتجه الكميات المتبقية نحو الأسواق الآسيوية.

وتعكس هذه الأرقام استعداد طهران لزيادة الإمدادات فور توافر فرص التسويق المناسبة خلال فترة الإعفاء الحالية.

ورغم تخفيف العقوبات، لا تزال هناك عقبات كبيرة أمام عودة العديد من المشترين الآسيويين إلى النفط الإيراني.

فالمصافي اليابانية، على سبيل المثال، تحتاج إلى اختبارات تشغيلية وفنية قبل استئناف شراء الخام الإيراني بعد توقف دام نحو عقد من الزمن، كما أن ضيق الوقت يجعل تنفيذ هذه الخطوات أمراً صعباً قبل انتهاء فترة الإعفاء الحالية.

كذلك لا تزال المؤسسات المالية وشبكات المدفوعات الدولية تتعامل بحذر مع أي معاملات مرتبطة بالنفط الإيراني بسبب عدم وضوح مستقبل السياسة الأمريكية بعد انتهاء فترة الإعفاء المؤقت.

وفي الهند، تؤكد شركات التكرير أنها لن تقدم على إبرام تعاقدات طويلة الأجل مع طهران ما لم تحصل على ضمانات باستمرار الإعفاءات الأمريكية لما بعد أغسطس.

ساهمت توقعات عودة النفط الإيراني إلى الأسواق في زيادة الضغوط على أسعار الخام العالمية خلال يونيو الجاري.

وتراجع خام برنت بنحو 16% منذ بداية الشهر، مدفوعاً بتوقعات زيادة المعروض العالمي وتراجع المخاوف المرتبطة بالإمدادات من الشرق الأوسط.

كما يتوقع متعاملون أن تؤدي زيادة الإمدادات الإيرانية إلى توسيع الخصومات السعرية للخام الروسي، ما قد يدفع المنتجين الخليجيين، وعلى رأسهم السعودية، إلى مراجعة أسعار البيع الرسمية للحفاظ على حصصهم السوقية في آسيا.

لا تقتصر آثار عودة النفط الإيراني على سوق الخام فقط، بل تمتد أيضاً إلى أسواق الوقود الثقيل وزيوت السفن.

ويتوقع متعاملون أن تؤدي زيادة الصادرات الإيرانية من الوقود عالي الكبريت إلى ضغوط إضافية على الأسعار العالمية لهذا النوع من المنتجات، رغم أن تأثير ذلك قد يبقى محدوداً بسبب استمرار التحديات المتعلقة بالتمويل والتحويلات المصرفية.

تكشف التطورات الحالية عن مرحلة جديدة في أسواق الطاقة العالمية، حيث تسعى إيران لاستعادة جزء من حصتها التصديرية المفقودة، بينما تواصل الصين تعزيز دورها كمركز رئيسي لاستيعاب الإمدادات الإيرانية.

وفي المقابل، تبدو غالبية المصافي الآسيوية الكبرى أقل حماساً للعودة السريعة إلى الخام الإيراني، ليس فقط بسبب وفرة الإمدادات الحالية، بل أيضاً نتيجة استمرار حالة عدم اليقين السياسي والتنظيمي المحيطة بمستقبل العقوبات الأمريكية، ما يجعل الصين في الوقت الراهن المستفيد الأكبر من الانفراجة المؤقتة في صادرات النفط الإيرانية.