تدخل الأسر المصرية موسم عيد الأضحى هذا العام وسط ضغوط معيشية متزايدة، بعدما شهدت أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت زيادات جديدة بنسبة تتراوح بين 9 و15% خلال مايو الجاري، لتضاف بذلك إلى قائمة طويلة من الارتفاعات التي طالت الغذاء والنقل والطاقة، ما يثير تساؤلات حول مدى تأثر أنماط الإنفاق الاستهلاكي خلال واحدة من أكثر الفترات التي تشهد معدلات شراء مرتفعة سنويًا.
وكانت شركات المحمول الأربع العاملة بالسوق المحلية قد أقرت مطلع مايو الجاري زيادات جديدة على عدد من باقات المحمول والإنترنت الثابت، بعد موافقة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، في خطوة بررتها الجهات التنظيمية بارتفاع تكاليف التشغيل والاستثمارات المطلوبة لتطوير الشبكات وتحسين جودة الخدمة.
وبحسب بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، فإن الزيادة لم تشمل أسعار كروت الشحن التقليدية أو المحافظ الإلكترونية أو سعر دقيقة المكالمات، بينما جرى تحريك أسعار عدد من باقات البيانات والإنترنت الأرضي والمحمول.
الإنترنت ينتقل من خدمة رفاهية إلى بند أساسي
وخلال مواسم الأعياد، يرتفع الاعتماد على الإنترنت بصورة أكبر مع زيادة استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومشاهدة الفيديو، والألعاب الإلكترونية، والتسوق الرقمي، وخدمات التوصيل، إلى جانب التحويلات المالية عبر المحافظ الإلكترونية.
وتوقع عدد من خبراء قطاع الاتصالات اتجاه عدد كبير من الأسر المصرية إلى إعادة توزيع أولويات الإنفاق الشهرية بدلًا من إلغاء الاشتراك في أي من خدمات الاتصالات، خاصة وأن الإنترنت أصبح مرتبطًا بالعمل والتعليم والترفيه والتواصل العائلي في الوقت نفسه.
وتشير بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى أن استهلاك الإنترنت الأرضي في مصر سجل نموًا سنويًا تجاوز 36%، وهو ما يعكس الزيادة المستمرة في الاعتماد على البيانات الرقمية داخل المنازل المصرية.
ضغط إضافي على ميزانيات الأسر
ورغم أن نسب الزيادة تبدو محدودة نسبيًا، فإن تأثيرها يتضاعف مع تراكم أعباء أخرى تتحملها الأسر قبل العيد، تشمل أسعار اللحوم والملابس والمواصلات والهدايا.
فعلى سبيل المثال، ارتفعت بعض باقات الإنترنت الأرضي الأساسية من نحو 239 جنيهًا إلى 275 جنيهًا شهريًا، بينما اقتربت بعض الباقات مرتفعة السعة من حاجز 1800 جنيه شهريًا، وفق تقديرات سوقية بعد الزيادة الأخيرة.
وقال خبراء القطاع إن الأسر متوسطة الدخل ستكون الأكثر تأثرًا، إذ قد تلجأ إلى خفض استهلاك الترفيه الرقمي أو تقليل الاشتراكات المدفوعة ومنصات البث، مقابل الحفاظ على الحد الأدنى من خدمات الاتصال الأساسية.
هل تنجح شركات المحمول في تحسين جودة الخدمة؟
وتواجه شركات الاتصالات تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على مستويات الاستثمار وجودة الخدمة من جهة، وتجنب ردود فعل سلبية من المستخدمين من جهة أخرى.
وبرر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قرار تحريك الأسعار بارتفاع تكاليف التشغيل، بما يشمل الكهرباء والمحروقات وتكاليف إنشاء الشبكات والرقائق الإلكترونية والشحن الدولي، إلى جانب الحاجة لتوسعات البنية التحتية استعدادًا لخدمات الجيل الخامس.
وفي المقابل، شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة من الجدل بين المستخدمين، حيث اعتبر البعض أن الإنترنت أصبح «خدمة أساسية» لا تحتمل الزيادات المتكررة، بينما رأى آخرون أن تحسين جودة الشبكات يتطلب استثمارات ضخمة يصعب تمويلها دون إعادة تسعير الخدمات.
وتحاول الشركات تقليل أثر الزيادة عبر طرح باقات اقتصادية جديدة؛ إذ وجّه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بإتاحة باقات إنترنت أرضي منخفضة التكلفة تبدأ من 150 جنيهًا، بالإضافة إلى باقات محمول بسعر 5 جنيهات لتعزيز الشمول الرقمي.
العيد الرقمي يفرض معادلة جديدة
وأضاف الخبراء أن موسم عيد الأضحى هذا العام سيكون اختبارًا مهمًا لقدرة المستهلك المصري على التكيف مع ارتفاع تكلفة الخدمات الرقمية، خاصة مع تحول جزء كبير من أنشطة العيد نفسها إلى الفضاء الإلكتروني، سواء عبر تحويل الأموال أو التسوق أو طلبات الطعام أو الترفيه.
وفي الوقت نفسه، قد تدفع الزيادات الحالية بعض المستخدمين إلى إعادة تقييم استهلاكهم الرقمي، عبر تقليل ساعات المشاهدة أو الاعتماد بصورة أكبر على الإنترنت المنزلي بدلًا من المحمول، وهو ما قد يغير خريطة الإنفاق التكنولوجي للأسر خلال الفترة المقبلة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع شركات الاتصالات إقناع العملاء بأن الزيادات الحالية ستنعكس فعلًا على جودة الخدمة، أم أن «فاتورة الإنترنت» ستتحول إلى عبء جديد يقتطع جزءًا إضافيًا من ميزانية العيد؟