خواطر مواطن مهموم 434 عن أزمة القيادات السياسية العالمية 3

سياالمشكلة الرئيسة في هذا العصر هي استحالة الإلمام بكل العلوم والمعارف

د. توفيق اكليمندوس

أفلاطون كان يقول إن النظام السياسي الأمثل هو “حكم الفيلسوف”، ويضيف أن هذا الحكم لم ولا ولن يوجد في أي مكان ولا زمان لأسباب ألمح إلى بعضها، والفيلسوف عنده هو الحكيم العارف العالِم، وكان يرى أنه لا يمكن للجاهل أن يكون حكيما، وأن العلم وحده لا يحول المرء إلى حكيم.

المشكلة الرئيسة في هذا العصر هي استحالة الإلمام بكل العلوم والمعارف، وفي العلوم الإنسانية هناك نقاشات حادة في كل تخصص حول الفرضيات ومنهج العمل وقراءة الوقائع ودور العالم المتخصص، ولا يمكن القول إن رأي جمهور المتخصصين هو دائما الرأي الصواب، إضافة إلى ذلك وبصفة عامة يرى أغلب المتخصصين في أي مجال أيا كان أن مجالهم لا يحصل على التقدير والتمويل والاهتمام بالقدر الكافي، ويميلون إلى انتقاد أو حتى رفض أي ترتيب للأولويات لا يعطي مجالهم أهمية خاصة.

القضية أكثر تعقيدا بكثير مما أقوله هنا، وأود إضافة ما يلي... في أغلب التخصصات في العلوم الإنسانية يجيد المتخصصون إبراز خلل عام في البنية الاجتماعية، ويشددون على وجود وجه مظلم للعملة لا يصح نسيانه إن وُجد وجه مشرق، ويميلون إما إلى تفادي التقدم بتوصيات للإصلاح أو إلي تقدم بتوصيات لا تأخذ في عين الاعتبار كلفة الإصلاح المادية وغير المادية وقدرات الدولة المحدودة – القدرات محدودة أيا كانت الدولة.

ولكن، ورغم هذا، يجب التشديد على أهمية المتخصصين، من ناحية الأسس النظرية وفهم الأصول أمران ضروريان، ومن ناحية أخرى المتخصص لديه القدرة علي الربط بين الوقائع، بين المستجد والقديم والثابت، وعلى التمييز بين ما هو هام وما هو ثانوي في مجاله... لا أقول إن كل المتخصصين يملكون هذه المهارات، بل أزعم العكس، ما أقوله إن التخصص ضروري لامتلاكها، وأنها لن تتوفر لغيره.

المتخصص قد يكون أكاديميا أو صحفيا وقد يكون كادرا من كوادر الدولة أو مثقفا، وعلى العموم تعرف أجهزة الدولة السيادية من هم المتخصصون في مجال أو آخر، ويقوم الكوادر بالاستماع إليهم وباستشارتهم بين حين والآخر، وتنظم لقاءات واجتماعات بين الكوادر المشرفة على ملف ما والمتخصصين فيه، وتتعدد أشكال اللقاءات والاجتماعات.

لا يوجد ما يضمن أن الكادر سيفهم كلام المتخصص، ولا أن المتخصص سيفهم آليات عمل الدولة وقدراتها وترتيب أولوياتها، أي لا يوجد ما يضمن أن المتخصص سيتقدم باقتراحات واقعية، ولا ما يضمن أن الكادر سيأخذ باقتراح واقعي وجيه. المتخصص كما قلنا لا يرى في أغلب الأحوال إلا مجاله، والكادر له حسابات معقدة منها في أغلب الأحوال عدم إغضاب رؤسائه والحرص على عدم “التغريد خارج السرب”. وأريد هنا أن ألفت النظر إلى ضرورة التمييز بين الواقعية والصالح العام، قد يكون المتخصص أكثر فهما من الكادر للصالح العام، وقد لا يكون، ولكنه لا يرى ما هو متاح وممكن عمليا.

بعد هذا يرفع الكادر مذكرة أو دراسة إلى رئيسه المباشر الذي يصدق عليها أو يرفضها أو يطلب تعديلات أو يقوم بتعديلها بنفسه، وقد يطلب تنظيم اجتماع لمناقشة ما جاء فيها، وفي النهاية تصل المذكرة إما إلى الوزير أو إلى الرئيس، قد يقتنع بها ويعمل بها، قد يقتنع بها ولا يعمل بها لأنه يرى استحالة “بيعها” للرأي العام، وقد لا يقتنع بها.

وفي كل مراحل هذه الآلية المعقدة تلعب الاعتبارات الشخصية دورا، عرفت أحوالا كثيرة لعبت فيها الخصومة الشخصية بين مدير مكتب وزير (مثلا) وكادر دورا في استبعاد كلام الكادر.

ويلاحظ أني وصفت العملية وكأنها تجري من أسفل لأعلى، وهذا هو الحال في أغلب الملفات، ولكن هناك ملفات ترى المجرى العكسي، تعليمات محددة أو مبهمة من السياسي تحدد هدفا واقعيا أو مستحيلا، وهنا الأمور تسير من أعلى لأسفل، وعلينا ألا نقلل من وزن وشرعية رئيس منتخب.

 

يتبع..

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية