عندما أقرت مصر القانون رقم 23 لسنة 2018 بشأن حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار، لم تكن الخطوة مجرد تشريع إداري عابر، بل كانت إعلانًا عن تحول إستراتيجي أعمق:
الانتقال من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد المعرفة.
وعندما نعود بذاكرة التاريخ الحضاري، نجد أن الأمم لم تزدهر يومًا بكثرة المعاهد وحدها، بل بـ«جسور التحويل» التي تربط المختبر بالسوق، والفكرة بالمنتج، والعالم بالصناعة.
فمن بيت الحكمة في بغداد، إبان العصر العباسى إلى نموذج الوقف العلمي الذي مول البحث وضمان استدامته،
وصولًا إلى العصر الحديث وما يسمى بالشراكات بين الجامعات والمجتمع الصناعي والاستثماري.
بما يؤكد ان المعرفة لا تصنع نهضة إلا عندما تتحول إلى قيمة مضافة قابلة للقياس والتداول.
ومن هنا جاءت أهمية اللائحة التنفيذية للقانون لتضع أطرًا مؤسسية واضح:
صناديق تمويل مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وتخصيص حصص عوائد للباحثين من براءات الاختراع، وتسهيل إجراءات إنشاء الشركات المشتقة من الجامعات.
هذه الآليات تمثل نواة صلبة بلا شك، لكنها تحتاج إلى «تربة مؤسسية» خصبة تسمح لها بالنمو.
فالتجارب الدولية الناجحة، من كوريا الجنوبية إلى سنغافورة، لم تنجح بصدور القوانين فقط، بل ببناء «نظام لنقل التكنولوجيا» يعمل بكفاءة، ويقلل الفجوة الزمنية بين الاكتشاف والتطبيق، ويحوّل البحث من نشاط أكاديمي نظري إلى شريك فعلي في عجلة التنمية.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات اليونسكو (2023) إلى أن الدول التي ترفع إنفاقها على البحث والتطوير (R&D / البحث والتطوير) إلى ما فوق %2.5 من ناتجها المحلي، تحقق نموًا إنتاجيًا يتجاوز المتوسط العالمي بنحو نقطة مئوية ونصف سنويًا.
ومصر، بخطواتها التشريعية الأخيرة، تضع نفسها بوعي على مسار هذا التحول الواعد، لكن التسارع الحقيقي يرتبط اليوم بـ «حوكمة الشراكات» وسرعة دوران رأس المال المعرفي. بعبارة أخرى:
الفجوة لم تعد في الرغبة أو النصوص، بل في آليات التنفيذ المؤسسي التي تحول الحافز القانوني إلى حافز سوقي ملموس.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة لا تتطلب بالضرورة قوانين جديدة، بقدر ما تتطلب تفعيل الآليات القائمة عبر مسارات عملية قابلة للقياس.
أولًا: تحويل مكاتب نقل التكنولوجيا بالجامعات إلى وحدات ذات استقلال إداري ومالي، تخضع لمعايير حوكمة القطاع الخاص، مما يسرّع اتخاذ القرار ويقلل الروتين.
وثانيًا: اعتماد «مشتريات الابتكار» (Innovation Procurement / مشتريات الابتكار) كأداة سياسة عامة، تلزم الجهات الحكومية بشراء حلول وطنية ناشئة، مما يخلق سوقًا مضمونة للمبتكرين ويقلل مخاطر المستثمر الخاص.
وثالثًا: تبسيط مسارات تسجيل الملكية الفكرية (Intellectual Property / الملكية الفكرية) وربطها آليًا بالتراخيص الصناعية، لتقليص زمن الانتقال من المختبر إلى خط الإنتاج من سنوات إلى أشهر.
ورابعًا: إدراج «الأثر الاقتصادي للبحث» كمؤشر أساسي في تقييم الأداء الجامعي، إلى جانب النشر الأكاديمي التقليدي، لضمان توجيه الجهود البحثية نحو احتياجات السوق والتنمية الحقيقية.
وفي التراث المؤسسي العربي، كان التمويل المستدام للعلم يقوم على فكرة الربط العضوي بين العطاء المعرفي والعائد المجتمعي.
واليوم، نعيد صياغة هذا النموذج العريق بصيغة عصرية:
فلنقل نؤسس ما يشبه الوقف الابتكاري يمول المشاريع ذات القيمة المضافة، ويخضع لقياس أداء شفاف، ويربط بين الجامعات والقطاع الخاص عبر عقود أداء واضحة ومحكمة.
فالبحث العلمي ليس عبئًا على الميزانية كما قد يتصور البعض، بل هو استثمار إستراتيجي في السيادة التقنية.
والقانون لعام 2018 كان البذرة المباركة، لكن الشجرة لا تنمو بالتشريع وحده، بل بالتربة المناسبة، والجذور التي تمتص الموارد بكفاءة، والأغصان التي تمتد بثقة نحو السوق.
وبناءً على ما سبق، يتبدى أن السؤال لم يعد «هل نملك قانونًا؟»، بل «هل نملك الرؤية المؤسسية لتحويله إلى سوق معرفية مستدامة؟».
والإجابة على هذا السؤال المحوري لن تُكتب بالأقلام فقط، بل ستُسطر بخطى الباحثين، وحكمة الصناعيين، وإرادة صناع السياسات. ومعًا، وبإيمان راسخ بقدرات شبابنا، نبني اقتصادًا لا يستورد المستقبل، بل يصنعه بأيدي أبنائه.
* مخترع الواى فاي السريع وخبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني