خواطر مواطن مهموم 433 عن أزمة القيادات السياسية العالمية 2

توفيق اكليمندوس

لا شك أن هناك تصريحات وتصرفات كثيرة لعدد من قادة الدول الكبرى والمتوسطة تنم عن خلل نفسي في شخصية القائد، النرجسية سمة مشتركة بين الكثير منهم، وللأسف لست من المتابعين لما يطرحه علماء النفس من فرضيات، وبالتالي لا أعلم إن تناول أحدهم موضوعي ولو تقدم بتفسيرات.
بيد أنه يمكن التقدم بعدة فرضيات يجب اختبارها إما لقبولها أو رفضها أو تعديلها، أولها مثلا أن مجال العمل السياسي في هذه الدول جاذب لنوعية معينة من النفوس، أو يعطي ميزة لها على حساب النفوس السوية، أقصد طبعا أن أساليب التربية السائدة في المجتمع جيدة وتنتج ناسًا أغلبهم أسوياء، والمشكلة أن العمل والصراع السياسيين يثمنان ذوي النفوس المريضة، وفي تعديل طفيف لهذه الفرضية يمكننا اختبار فرضية تقول إن الجو السائد في عوالم السياسة مفسد وأن عنف الصراع على الصدارة – في دول لا تعرف والحمد لله التصفيات الجسدية مما يعني أن المنافس أو العدو باقٍ يريد أن ينتقم وأن يأتي دوره- وجو الدسائس والمقالب والتوتر والشك الدائمين كفيل بإفساد أكثر النفوس استقامة. ويفاقم من هذا وجود قنوات إخبارية تعمل على مدار اليوم ومواقع تواصل اجتماعي يضخمون من أي خطأ.
لم أحسم بعد موقفي من التفسير الذي يرى أن العمل السياسي في هذه الدول يعطي ميزة للنفوس المريضة، ولكن ما هو مؤكد أن ضغوط الجو السائد في الأوساط السياسية لا تصلح عذرا لكل الأخطاء. أن يقوم رئيس دولة بشتم رمز ديني كبير له مكانة كبيرة وتأثير على عشرات الملايين من الناخبين، أو أن يقول غيره إن أعدادًا كبيرة من مواطني البلد التي يحكمها لا يساوون شيئا، أو أن يسخر قائد سياسي ثالث من رئيس دولة أخرى دون أن ينتبه أن هذا القائد يستطيع أن يرد بإجراءات قاسية... لا يمكن تبرير هذا بضغوط العمل. 
ثاني الفرضيات - أو سلة من الفرضيات- هي تلك التي ترى أن تطور المجتمعات من ناحية والتكنولوجيا من ناحية ثانية والأساليب الحديثة للتربية من ناحية ثالثة عممت بعض الأمراض النفسية أهمها النرجسية، بمعنى أن أغلب مواطني هذه الدول باتوا نرجسيين. نعلم منذ الثلث الثاني للقرن التاسع عشر أن الديمقراطية – لا سيما في المجتمعات الرأسمالية الصناعية- تؤسس لمجتمع يكون فيه المواطن وعائلته جزيرة منعزلة عن باقي الجزر، ولا يهتم إلا بدائرته الضيقة فقط، وبتضخيم ثرواته ونجاحه المهني هو وعائلته. هذا الطرح وجيه مع بعض التحفظات، أهمها أن هذه المجتمعات أفرزت قادة من الطراز الرفيع في القرنين التاسع عشر والعشرين. الانغلاق قد يدعم النرجسية وقد يعطي مجالا ووقتا لتهذيب النفس والارتقاء بها.
التطور العلمي والتكنولوجي يؤثر على نفس الشخص وعلى علاقته بذاته وبغيره، هناك عشرات الدراسات التي تظهر عمق التأثيرات النفسية السلبية للتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي أو لمشاهدة المسلسلات التلفزيونية، كل هذا يغذي الإحباط، يسمح للفرد أن يرى فئات أو مجموعات أخرى وما هو صادم في سلوكها في رأيه، دون أن تتيح له وسائل للفهم والتفهم، كما تتيح هذه المواقع فرص للهروب من قيود التأدب والذوق، إلخ.
ولكن عمق تأثير التكنولوجيا على النفس قديم وليس ظاهرة حديثة، مثال جيد هو اختراع آلة التصوير، بات ممكنا للكل أن يصور نفسه، وأن يحتفظ بصوره، وأن يكره نفسه وشكله أو يعبدهما، لا يوجد في حدود علمي بحث حاول تقييم وفهم التحولات الناتجة عن هذا الجديد. وطبعا مع ارتفاع قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة أو على التعامل مع تهديداتها تغيرت بنية الخوف وبنية العلاقة مع الله ومع الكون.
وثالث الفرضيات أو مجموعة الفرضيات الواجب اختبارها هي الآثار الضارة لوسائل التربية الحديثة، التي تقلل من الممنوعات، وتضيق من دائرة المحرمات، وترى أن التعليم يجب أن يكون "مسليا".
يتبع..
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية