قضية الودائع الخليجية الجيوسياسية... واللعب على المكشوف

في حين وفر الدعم السعودي متنفسا فإن هذه الواقعة قد جددت التدقيق في مدى صمود الاقتصاد الباكستاني

نبيل زكي

قد يكون ما يجري في باكستان درساً للدول الأخرى التي تعتمد على الودائع الخليجية المُسَيَّسَة، لا سيما أن هذه الودائع تُعد ضمانات لتسهيلات ائتمانية أخرى مقدمة من مؤسسات دولية. فخلاف باكستان مع الإمارات الشهر الماضي يكشف هشاشة نموذج التمويل القائم على “الودائع السياسية” أكثر من كونه نموذجاً اقتصادياً مستداماً. فحين تعتمد دولة ما على ودائع خليجية قصيرة أو متوسطة الأجل لدعم احتياطاتها الأجنبية، فإن هذه الودائع تنجح عمليا كضمان غير مباشر أمام مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، لأنها تمنح انطباعاً بوجود غطاء نقدي واستقرار مالي مؤقت. والمشكلة تظهر عندما تصبح هذه الودائع قابلة للسحب أو عدم التجديد وفق اعتبارات سياسية أو جيوسياسية، وتكون مرتبطة بشروط غير معلنة، أو مجرد أدوات “تجميل” للاحتياطي الأجنبي دون إصلاح هيكلي حقيقي. 

حقيقة الأمر أن واقع العلاقات النقدية الدولية حاليا يندمج في نظام عالمي جديد ومختلف ولم نتعود عليه وخصوصا في منطقتنا العربية، فظهرت أدوات تُعرف في التحليلات الاقتصادية الحديثة باسم “القروض النقدية السيادية المشروطة” أو “الودائع الجيوسياسية”. 

فبينما كانت باكستان، التي تعاني من ضائقة مالية حادة، تحاول التوسط لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة في مطلع شهر أبريل من هذا العام بطلب مفاجئ إلى حليفتها القديمة لسداد مبلغ 3.5 مليار دولار فوراً؛ وهو ما يمثل الودائع الإماراتية المودعة لدى البنك المركزي الباكستاني. وقد هدد هذا الطلب باستنزاف خُمس احتياطيات البنك المركزي الباكستاني -التي كانت تبلغ 16 مليار دولار- وعرّض للخطر برنامج إنقاذ مالي بقيمة 7 مليارات دولار كان صندوق النقد الدولي قد وافق عليه في عام 2024. ولقد تم بالفعل سداد مبلغ 2.45 مليار دولار في أوائل أبريل 2026، بينما أُعيدت الدفعة الأخيرة البالغة مليار دولار إلى “صندوق أبوظبي للتنمية” في 23 أبريل 2026. 

ويأتي هذا السداد في الوقت الذي تستهدف فيه باكستان الوصول باحتياطيات النقد الأجنبي إلى أكثر من 18 مليار دولار بحلول يونيو، وذلك ضمن برنامج صندوق النقد الدولي البالغ 7 مليارات دولار، والذي يشترط تجديد الودائع الثنائية. 

وهنا سارعت المملكة العربية السعودية -التي كانت قد وقّعت اتفاقية دفاع مشترك مع إسلام آباد في العام السابق- لتقديم يد العون؛ إذ أقرضت باكستان مبلغ 3 مليارات دولار لتعزيز احتياطيات بنكها المركزي، كما قامت بتمديد أجل قرض قائم بقيمة 5 مليارات دولار لفترة تزيد على عام. ويأتي هذا الدعم السعودي إضافةً إلى الوديعة السعودية القائمة بالفعل لدى “بنك الدولة الباكستاني” والبالغة 5 مليارات دولار؛ مما يعني أن باكستان باتت محاصرةً بعبء ديون تعادل %50 من إجمالي احتياطياتها الأجنبية لصالح دولة واحدة فقط، وهو ما يمثل مخاطرةً كبرى. 

وفي حين وفر الدعم السعودي متنفساً على المدى القصير، فإن هذه الواقعة قد جددت التدقيق في مدى صمود الاقتصاد الباكستاني وقدرته على التعافي. فعلى الرغم من تنفيذ ثلاثة برامج مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2019، لا تزال نقاط الضعف الهيكلية قائمة إلى حد كبير دون معالجة. وتُظهر المؤشرات المالية بعض التحسن، بما في ذلك تحقيق فائض أولي بنسبة %1.3 من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن هذه المكاسب قد تحققت من خلال فرض ضرائب باهظة وارتفاع تكاليف الطاقة، مما يلقي بعبء غير متناسب على كاهل المواطنين، في الوقت الذي يستمر فيه الإنفاق الحكومي في التوسع. وقد شهدت معدلات التضخم تراجعاً، إلا أن أسعار الفائدة المرتفعة -التي تم الإبقاء عليها بناءً على نصيحة صندوق النقد الدولي- قد كبحت جماح الاستثمار وأضعفت القدرة التنافسية للصادرات، مما حاصر الاقتصاد في حلقة مفرغة من النمو المنخفض. 

تشير خطوة الإمارات للمطالبة بأموالها من باكستان إلى تزايد حالة من الاستياء، وذلك بسبب تعمّق الروابط بين إسلام آباد والرياض، وبسبب رد الفعل “الضعيف” لباكستان تجاه الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلال الحرب الدائرة حالياً. فالدور الذي اضطلعت به باكستان كوسيطٍ في الحرب الأمريكية ضد إيران قد أثار استياء الدولة الخليجية، نظراً لأنها “تنظر إلى الأمور في الوقت الراهن بمنطق الأبيض والأسود” (أي دون وجود مساحات رمادية). فلا وجود للحياد في هذا الأمر [من منظور دولة الإمارات]، ولا توجد مساحة وسطى”؛ وإذا كنت تقوم بدور الوسيط، فهذا يعني أنك تقف في تلك المساحة الوسطى”.

وتكمن في خلفية هذا المشهد توتراتٌ مكتومةٌ بين المملكة العربية السعودية - التي وقّعت اتفاقية دفاعٍ مشتركٍ مع إسلام آباد في سبتمبر 2025 - وبين دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد تفجّر الخلاف بين هاتين القوتين الخليجيتين البارزتين إلى العلن خلال شهري ديسمبر ويناير، وذلك على خلفية النزاعات الدائرة في الحرب الأهلية في اليمن، حيث تدعم كلتا الدولتين فصائلَ متناحرة. 

فالواقع أن باكستان اعتمدت على هذا الدعم الخليجي “كشريان حياة” بدلاً من إجراء إصلاحات هيكلية داخلية، مما جعلها تحت رحمة التوترات الجيوسياسية. فالإمارات كانت ترغب في أن تضطلع باكستان بدور أكثر فاعلية، أو على الأقل أن تُبدي انحيازاً أقوى ضد إيران، فإن التقارير العلنية تركز على الضغوط المالية والدبلوماسية، بدلاً من وجود طلب مباشر وعلني لنشر قوات باكستانية على الأرض. ومع ذلك، وصف مراقبون هذه الخطوة بأنها نتيجة لرفض باكستان التخلي عن جهودها للوساطة الدبلوماسية من أجل دعم الإمارات في مواجهة إيران. 

أثبتت أزمة باكستان الأخيرة مع الامارات أن سحب هذه الودائع أو التلويح بعدم تجديدها يُستخدم كأداة توجيه سياسي مباشر مما يخرجها من إطار القروض المصرفية الطبيعية إلى إطار “التسيس”. ولقد أعلنت دول الخليج صراحة عن تغيير إستراتيجيتها من تقديم “منح وودائع بلا شروط” إلى اشتراط إجراء إصلاحات هيكلية بيع أصول، أو تحقيق مكاسب جيوسياسية متبادلة قبل تجديد هذه الودائع. فالدعم المالي الخليجي (مثل الودائع الإماراتية أو السعودية) لم يعد يُمنح لأسباب اقتصادية بحتة، بل يرتبط مباشرة بملفات السياسة الخارجية والمواقف الإقليمية للدول المتلقية. 

* استاذ الاقتصاد الدولي والتمويل بجامعة نيويورك- الولايات المتحدة