حين يصبح البحث العلمي عملة الاقتصاد الجديد

الابتكار هو العملة الجديدة، والبحث العلمي هو البنك الذي يصدرها

حاتم زغلول

في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية بشكل غير مسبوق، لم يعد البحث العلمي رفاهية أكاديمية أو نشاطًا معزولًا داخل المعامل، بل أصبح حجر الأساس لأي اقتصاد يسعى إلى البقاء والمنافسة في سوق عالمي لا يرحم المتأخرين.

فالدول اليوم تُقاس قوتها الحقيقية بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، وتحويل الفكرة إلى منتج، وتحويل البحث إلى استثمار.

البحث العلمي… من الرفوف إلى السوق

لسنوات طويلة، عانى البحث العلمي في العديد من الدول النامية من فجوة واضحة بين “إنتاج المعرفة” و“تطبيقها”. فالأبحاث تُنشر، والمؤتمرات تُعقد، لكن التأثير الاقتصادي يظل محدودًا.

لكن التحول الحقيقي يبدأ عندما يصبح البحث العلمي جزءًا من منظومة الاقتصاد الوطني، لا مجرد نشاط أكاديمي. هنا يتحول الباحث من مجرد منتج للأفكار إلى شريك في التنمية، ويصبح المختبر نواة لمشروع استثماري محتمل، لا مجرد مكان للتجارب النظرية.

الاقتصاد المعرفي… المعادلة الجديدة

الاقتصاد الحديث لم يعد يعتمد فقط على الموارد التقليدية مثل الطاقة أو الصناعة الثقيلة، بل أصبح يعتمد على “رأس المال المعرفي”.

الابتكار هو العملة الجديدة، والبحث العلمي هو البنك الذي يصدرها. وكل دولة تدرك هذه المعادلة مبكرًا، تضمن لنفسها موقعًا متقدمًا في خريطة الاقتصاد العالمي.

مصر ومحاولة بناء منظومة الابتكار

في هذا السياق، جاءت التوجهات التشريعية الحديثة في مصر لتؤكد على ربط البحث العلمي بالاستثمار، ومن أبرزها اللائحة التنفيذية الصادرة عام 2018 لقانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار، والتي مثلت خطوة مهمة نحو إعادة تشكيل العلاقة بين الجامعة والصناعة، وبين الباحث وسوق العمل.

هذه اللائحة لم تكن مجرد نصوص قانونية، بل محاولة لخلق بيئة تسمح بـ:

● تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات قابلة للتسويق

● دعم الشراكات بين المؤسسات البحثية والقطاع الخاص

● تشجيع الاستثمار في الابتكار بدلًا من استهلاك المعرفة فقط

● تقليل الفجوة بين العلم والاقتصاد الحقيقي

ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، فإن وجود إطار تشريعي يربط بين البحث العلمي والاستثمار يمثل نقطة تحول استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

التحدي الحقيقي: التطبيق لا النص

المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في سرعة تحويلها إلى واقع ملموس. فنجاح أي منظومة ابتكار لا يُقاس بعدد اللجان أو اللوائح، بل بعدد الشركات الناشئة التي خرجت من رحم الجامعات، وعدد الأبحاث التي تحولت إلى حلول في السوق، وعدد الباحثين الذين أصبحوا رواد أعمال.

نموذج فكري مختلف… من النقاش إلى التأثير

في هذا الإطار، تبرز أهمية النقاشات الفكرية التي تدور حول تطوير منظومة التكنولوجيا والابتكار، ومنها ما نطرحه نحن وغيرنا من تناول لقضايا البحث العلمي والاتصالات والتكنولوجيا من زاوية تربط بين الفكرة والتطبيق، وبين العلم والاقتصاد، بعيدًا عن الطرح النظري التقليدي.

وختاما اقول العلم ليس مكلفا… بل الاستثمار في جهله هو المكلف

الحقيقة الصادمة التي يجب الاعتراف بها هي أن تجاهل البحث العلمي هو أغلى قرار اقتصادي يمكن لأي دولة أن تتخذه.

فالاقتصاد الذي لا يغذيه العلم، يظل يدور في دائرة الاستهلاك، بينما الاقتصاد الذي يحتضن البحث العلمي يتحول تدريجيًا إلى اقتصاد إنتاج، ثم اقتصاد ابتكار، ثم اقتصاد قيادة.

المعادلة بسيطة لكن تنفيذها صعب:

لا اقتصاد قوي بدون علم قوي، ولا علم مؤثر بدون اقتصاد يحتضنه.

وما بين القانون، واللائحة، والواقع، تبقى الكلمة الأخيرة دائمًا:

هل نريد أن ننتج المعرفة… أم نكتفي باستهلاكها؟

* مخترع الواى فاي السريع وخبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني