يتابع العالم الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية محاولا فك شفرة تصريحات الفرقاء، وهذه المتابعة محمودة وضرورية للعديد من الأسباب أهمها طبعا اقتصادي، ولكن هناك تطورات أخرى أذكر بعضها.
يعاد تشكيل خريطة الشراكات والتحالفات في أوروبا، مع تقارب ألماني إيطالي وآخر فرنسي بولندي وفتور وربما توتر في العلاقات الفرنسية الألمانية، تاريخيا كانت بولندا دائمة الشك في نوايا وجدية ومصداقية دول أوروبا الغربية، التي لم تنتبه إلى جسامة التهديد الروسي إلا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا الباسلة، ولم تنس أبدا أن حلفاءها الفرنسيين والبريطانيين لم يساعدوها عندما اجتاحت كل من ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي أراضيها وتقاسمتاها وارتكبتا المجازر الواحدة تلو الأخرى.
وكانت تشكو من استعلاء هذه الدول عليها، وللرئيس الفرنسي شيراك تعليق مهين غير مقبول على دول أوروبا الشرقية لم تنسَه وارسو، وكانت تفضل الاعتماد اعتمادا كليا على الولايات المتحدة، وفعلت -وما زالت- كل ما هو ممكن لصيانة الناتو ولاستمرار الحماية الأمريكية للقارة العجوز.
ولكن سياسات الرئيس ترامب تجبر وارسو على التفكير في خطة "ب"، لم يعد من الممكن الاعتماد على رئيس كالرئيس الأمريكي، الذي يتودد للرئيس بوتين باستمرار رغم دعم موسكو لإيران، ويرفع عنها العقوبات، صحيح أن اعتبارات الاقتصاد تبرر هذا، ويهين الرئيس الأوكراني البطل زيلينسكي، وينهال بالسباب على بابا روما وبولندا شديدة الكاثوليكية، ومن ناحيتها فرنسا لم تعد تملك ترف الاستعلاء نظرا لوضعها المالي وللتقدم المذهل الذي حققته بولندا في مجالي الاقتصاد والدفاع، وتمتلك فرنسا رادعا نوويا قويا، لن يكفي طبعا ليحل محل الردع الأمريكي، ولكنه لا يمكن التقليل من شأنه، والدولتان ليستا راضيتين عن الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة لأمريكا اللاتينية لعدم مراعاة مصالح مزارعيها.
حال العلاقات الألمانية الفرنسية من أسباب ضعف أوروبا، التوجهات الفكرية لنخب السياسة الخارجية والأمن القومي متشابهة في ملفات، متعارضة في غيرها، أحدها بالغ الأهمية، وهو العلاقات الأوروبية الأمريكية، ميرز وماكرون يؤمنان بالمشروع الأوروبي وبالعمل الأوروبي المشترك ويمقتان التطرف اليميني، والاثنان فهما أن الحماية الأمريكية لم تعد موجودة ولن تعود طالما ظل ترامب رئيسا أو لو جاء بعده فانس، وربما لن تعود أبدا، ولكن هذا شكل صدمة قاسية للنخب الألمانية، وما زالت بعض المؤسسات الألمانية تحاول إقناع واشنطن بضرورة تعديل الدفة والعمل معا لتقوية العلاقات العبر أطلسية، ورغم محاولات فرنسا تطمين برلين بالتشديد على أن فرنسا لا تحاول طرد الولايات المتحدة من القارة ولا تريد ولا تستطيع أن تحل محلها، فإن فرنسا أكثر جاهزية نفسيا من ألمانيا للتعامل مع منظومة دفاعية لا تلعب فيها الولايات المتحدة دورا رئيسيا قياديا، فهي تقول منذ عقود إن الولايات المتحدة لن تضمن أمن أوروبا إلى الأبد.
هناك أسباب أخرى عديدة لتوتر العلاقة، كل نخبة تخشى وصول يميني متطرف معادٍ لمشروع الوحدة الأوروبية عندها أو عند الدولة الأخرى، ألمانيا متمسكة بالاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة الأمريكية اللاتينية، في حين أن فرنسا تعارضها بشدة، وموقف باريس غير مفهوم في برلين، صحيح أن الاتفاق يضر بمصالح المزارعين الفرنسيين ولكنه في مجمله مفيد للاقتصاد الفرنسي، فرنسا تريد جيشا ألمانيا قويا وفي الوقت نفسه تهابه، من ناحية لأن قوة هذا الجيش قد تفقد باريس ورقة من أهم أوراقها في اللعبة الأوروبية، ومن ناحية أخرى لأن جيشا ألمانيا قويا في يد قائد يميني متطرف قد يشجع على محاولة استرداد بعض الأراضي التي فُقدت بعد الحرب العالمية الثانية، وقد يفكر هذا القائد في الاتفاق مع روسيا ضد جيرانه، وأخيرا تتعثر مشروعات التصنيع الحربي المشترك لخلافات لا يمكن حلها بين شركات الدولتين، حول معايير التصدير، وحقوق الملكية الفكرية، وتحديد الشركات الصغيرة التي يوكل إليها تصنيع المكونات، نتابع لاحقا وقد نخوض في ملف الساحل والصحراء.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية