يأتي أبريل كل عام مثقلًا بذاكرة لا تشيخ. ففي السادس والعشرين من أبريل عام 1986 انفجر مفاعل تشيرنوبيل، وارتفعت فوق أوروبا سحابة من الإشعاع كأنها إعلان مدوٍّ عن هشاشة القوة السوفيتية. لكن قبل ذلك بثلاثة أشهر فقط، في الثامن والعشرين من يناير، كان العالم قد شاهد مأساة أخرى لا تقل وقعًا: مكوك الفضاء الأمريكي تشالنجر يتفكك بعد الإطلاق بثوانٍ، على الهواء مباشرة، أمام ملايين البشر.
تسعون يومًا فقط فصلت بين الحادثتين.
تسعون يومًا بين سقوط حلم أمريكي في السماء، وانهيار هيبة سوفيتية على الأرض.
ومن يقرأ التاريخ قراءة سريعة فقد يكتفي بالمصادفة الزمنية، أو ينجذب إلى روايات المؤامرة، فيربط بين الحادثتين كأنهما فصلان في حرب سرية بين واشنطن وموسكو. لكن من يقرأ التاريخ بعين أعمق، وبعقل عالم فيزياء، فسيرى شيئًا آخر أكثر إثارة وأشد قسوة: لم تسقط أمريكا بسبب الاتحاد السوفيتي، ولم يسقط الاتحاد السوفيتي بسبب أمريكا. كلاهما تعثر في اللحظة نفسها تقريبًا أمام الخصم نفسه… الواقع.
في صباح بارد من شتاء فلوريدا، كان إطلاق تشالنجر مشهدًا أمريكيًّا كامل الرمزية. كاميرات، جمهور، بث مباشر، ورسالة تقول إن المستقبل أصبح أمريكيًّا بالكامل. كان المكوك يحمل أيضًا أول معلمة ستذهب إلى الفضاء، وكأن الدولة أرادت أن تقول إن الفضاء لم يعد ميدانًا للعلماء والعسكريين فحسب، بل صار جزءًا من الحياة اليومية والحُلم الشعبي.
ثم بعد ثلاث وسبعين ثانية فقط، تحوّل الصعود إلى كتلة نار ودخان.
التحقيقات الرسمية لم تجد سلاحًا سريًّا ولا عملية تخريب، بل وجدت خللًا في حلقة إحكام مطاطية صغيرة فقدت مرونتها بسبب البرودة الشديدة، فسمحت بتسرب غازات حارقة مزّقت المركبة.
قطعة مطاط صغيرة هزمت مشروعًا فضائيًّا عملاقًا.
وهنا ظهر الفيزيائي الشهير ، الذي لم يحتجْ إلى خُطب طويلة ولا نظريات معقدة. وضع قطعة من المادة المطاطية في ماء بارد، ثم رفعها أمام الكاميرات وأوضح كيف فقدت مرونتها. وبعدها كتب عبارته الشهيرة التي بقيت من أقسى ما قيل في نقد المؤسسات:
الواقع لا يمكن خداعه لأن الطبيعة لا يمكن خداعها.
كانت تلك الجملة تتجاوز حادثة صاروخ. لقد كانت حُكمًا على عصر كامل ظنّ أن الصورة الإعلامية تستطيع هزيمة قوانين المادة.
وفي عمق الاتحاد السوفيتي، كانت كارثة تشيرنوبيل تسير في الاتجاه نفسه، لكن بلغةٍ مختلفة. لم يكن المشهد هناك أمام الكاميرات، بل في قلب الليل، داخل مفاعل نووي ضخم، تحت نظام إداري يخلط بين السرية والعناد.
كان المهندسون يُجرون اختبارًا تقنيًّا هدفه قياس قدرة التوربينات على توفير طاقة مؤقتة عند الطوارئ. لكن سلسلة من القرارات الخاطئة، مع عيوب تصميمية معروفة جزئيًّا، ومع ثقافة مؤسسية لا تسمح بسهولة بالاعتراض أو الاعتراف بالمشكلة، أدت إلى انفجار المفاعل الرابع.
وفي لحظات، خرجت النار والإشعاع من قلب المنشأة، وبدأت سحابة التلوث تعبر الحدود دون أن تطلب إذنًا من أحد.
لم تستطع الدعاية السياسية إيقافها.
ولم تستطع السرية العسكرية إخفاءها.
ولم تستطع الحدود الوطنية منعها.
وهنا تتجلى قسوة الفيزياء مرة أخرى: ما ينطلق في الهواء لا يعترف بالبيانات الرسمية.
في الحالتين، لم يكن العدو خارجيًّا.
لم يكن صاروخًا أمريكيًّا في أوكرانيا، ولا «ليزر» سوفيتيًّا في فلوريدا.
كان العدو داخليًّا: حين تتوهم المؤسسات أن السلطة يمكنها تعديل قوانين الطبيعة، أو أن الجدول السياسي أهم من التحذير الهندسي، أو أن الهيبة الوطنية أعلى من الحقيقة العلمية.
هذا هو الرابط الحقيقي بين تشالنجر وتشيرنوبيل.
ليس مؤامرة متبادلة، ولا حربًا خفية في الظل، بل غرور متشابه لدى قوتين عظميين اعتقدتا أن التقدم التكنولوجي يمكن أن يُدار بالدعاية، أو يُخفى بالبيروقراطية، أو يُسرّع بالضغط السياسي.
الفيزياء لا تعترف بهذه اللغة.
لا يهمها إن كنت الولايات المتحدة.
لا يهمها إن كنت الاتحاد السوفيتي.
لا يهمها إن كان المشروع يحمل عَلمًا أمريكيًّا أو شعار المطرقة والمنجل.
إذا تجمّد المطاط فسيفشل.
إذا كان تصميم المفاعل غير مستقر فسيتحول إلى خطر.
إذا تم تجاهل حدود المادة والطاقة، فإن الثمن يأتي دائمًا، لكنه يأتي متأخرًا بما يكفي ليبدو مفاجئًا.
ولهذا قال الخبير الأمريكي في إدارة المخاطر تشارلز بيرو، صاحب نظرية “الحوادث الطبيعية في الأنظمة المعقدة”:
في الأنظمة الشديدة التعقيد والترابط، لا تكون الحوادث استثناءً… بل تصبح متوقعة.
وهذا ما حدث تمامًا. لم تكن الكارثتان مجرد خطأين منفصلين، بل كانتا نتيجة أنظمة ضخمة أصبحت أكثر تعقيدًا من قدرة مؤسساتها على التحكم الكامل فيها.
والتاريخ مليء بهذه اللحظة نفسها، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر.
فى عهد الامبراطورية الرمانية، عندما بنى الرومان القنوات المائية بدقة هندسية مُذهلة، حتى صارت مُدنهم مثالًا للعمران. لكن حين تحولت الهندسة إلى امتيازات سياسية وعقود نفوذ، تآكلت البنية التي حملت الحضارة نفسها.
وفي عصر الخلافة العباسية ، ازدهرت الرياضيات والفلك وعلوم التشفير. لكن حين انفصل العلم عن التطبيق، وصار المجد اللفظي أعلى من المنهج العملي، بدأت الدولة تفقد ميزتها المعرفية.
وفي عصر الثورة الصناعية الأولى والثانية ، تجاهلت المصانع تحذيرات الأطباء من التلوث والدخان، فجاء المرض ليذكّر الجميع بأن الكيمياء الحيوية لا تتفاوض مع الأرباح.
أما المؤرّخ العربى ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون فقد فهم هذه الدورة مبكرًا، حين ربط سقوط الدول بفساد العمران من الداخل قبل ضربات الخارج. فالأمم كثيرًا ما تنهار لأن أنظمتها تكفّ عن سماع الحقيقة، لا لأن أعداءها أصبحوا أقوى فقط.
في عام 1986، كانت الحقيقة واضحة لمن يريد أن يراها:
قوتان عظميان.
ترسانتان نوويتان.
سباق فضائي.
أجهزة استخبارات.
ومع ذلك، هُزمتا في عام واحد تقريبًا بسبب تفاصيل تجاهلتاها.
كانت الولايات المتحدة في تلك الفترة تدفع مشروع “حرب النجوم”، وهو مشروع دفاعي يقوم على اعتراض الصواريخ في الفضاء. وكان الاتحاد السوفيتي يرى فيه تهديدًا مباشرًا لتوازن الردع النووي.
لكن بينما كان السياسيون يتحدثون عن أسلحة المستقبل، كانت قطعة مطاط في فلوريدا، وتصميم مفاعل في أوكرانيا، يكتبان الرد الحقيقي!
واليوم، بعد أربعين عامًا تقريبًا، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا لا أقل: هل تعلمنا شيئًا؟
نحن نعيش عالمًا أكثر تعقيدًا من عام 1986 بكثير. لم تعد المخاطر فحسب في المفاعلات والصواريخ، بل في الذكاء الاصطناعي، والأسواق المالية المؤتمتة، والمدن الذكية، وشبكات الكهرباء المرتبطة بالإنترنت، والسيارات ذاتية القيادة، والأنظمة التي تدير حياة البشر في صمت.
الخطأ الصغير لم يعد يحتاج إلى صاروخ كي يصبح كارثة.
يكفي سطر برمجي خاطئ.
يكفي تحديث متسرع.
يكفي ثغرة أمنية مهملة.
يكفي مدير يتجاهل تحذير مهندس.
ولهذا قال الفيلسوف الألماني هانز جوناس:
لقد امتلكنا قوة هائلة، لكن حكمتنا لم تنمُ بالسرعة نفسها.
وهذه ربما أفضل جملة تصف عالمنا الحالي.
إن حادثة الطائرة الأمريكية الشهيرة من طراز “سبعمائة وسبعة وثلاثين ماكس” أعادت إلى الأذهان منطق تشالنجر: ضغط تجاري، تسريع في الإنتاج، تحذيرات تقنية، ثم ثمن بشري باهظ.
والهجمات الرقمية على شبكات الطاقة والوقود أظهرت أن “تشيرنوبيل الرقمي” لم يعد خيالًا أدبيًّا، بل احتمال إستراتيجي قائم.
لقد تغيرت الأدوات، لكن الخطيئة نفسها بقيت.
والخطيئة هي اعتقاد أن السرعة أهم من السلامة، وأن التسويق أعلى من الهندسة، وأن الإدارة تعرف أكثر من الخبراء، وأن الطبيعة يمكن تأجيلها بقرار.
عندما يأتي أبريل إذن، نحن لا نتذكر مجرد دخان ونار من الماضي.
نحن نتذكر أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًّا، لكنه يعيد منطقه.
في عام 1986 سقطت إمبراطوريتان أمام فيزياء المادة.
وفي عام 2026 قد تسقط مؤسسات عملاقة أمام فيزياء البيانات.
السؤال ليس: متى تأتي الكارثة المقبلة.
السؤال هو:
هل سنصغي للتحذير قبل أن تشرحه لنا الطبيعة بطريقتها القاسية؟
لأن السياسة قد تؤجل الحقيقة.
والإعلام قد يجمّلها.
والأسواق قد تتجاهلها.
لكن الفيزياء دائمًا لها الكلمة الأخيرة.
* مخترع الواى فاي السريع وخبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني