خواطر مواطن مهموم 340.. دواليب الدول

كنت وما زلت فخورا بصديقي هذا ولم أكن راغبا في ترك انطباع يناقض هذا

توفيق اكليمندوس

أتذكر نقاشا لي مع كادر رفيع في الدولة الفرنسية في النصف الثاني من التسعينيات، وكنا نتكلم عن صديق هو كادر في الثلاثينيات من عمره أيامها ويشغل اليوم منصبا رفيعا ومكلف بمهمة صعبة، قال لي الكادر الكبير إن صديقي من أكبر آمال الدولة الفرنسية ومن أكفأ عناصرها ويلعب دورا مهما في تجديد فكرها وآليات عملها، فرحت طبعا ولكن من باب الدلع ورغبة مني في مواصلة النقاش... قلت... أعرفه، هو مصنع لإنتاج الأفكار يعمل بأقصى سرعة... المشكلة أن نصف أو ثلثي أفكاره خطأ أو غير واقعية وربما مجنونة.

رد عليّ الكادر الكبير وكان مدير صديقي: لا تخشَ علينا، البيروقراطية الفرنسية بل قل أي بيروقراطية في العالم تجيد قتل الأفكار، وهذه مسألة حياة أو موت للبلاد ولأي إدارة، لأن أكثر من تسعين في المائة من الأفكار إما تافهة وإما مجنونة وقتلها قبل أن تحدث أضرارا واجب مقدس، المشكلة أن البيروقراطيات تقتل أيضا أعدادا كبيرة من الأفكار الجيدة التي تستحق البحث، وأحاول دائما تفادي هذا ولكن ما باليد حيلة وفي هذا شجاعة وشراسة صديقك في الدفاع عن أفكاره المفيدة.

عدلت الدفة... كنت وما زلت فخورا بصديقي هذا ولم أكن راغبا في ترك انطباع يناقض هذا، فقلت أميل إلى التمييز بين أنواع من الأفكار الخطأ، أفكار خاطئة سامة لا تستحق المناقشة أصلا... أي نقاش يستغرق وقتا والوقت ثمين، وأفكار خاطئة تستحق النقاش، لأن لها وجاهة ولأن نقدها يعيننا في البحث عن الفكرة أو الخيار السليمين. أغلب أفكار صديقي تنتمي إلى النوع الثاني... وآمن الرجل بكلامي وأمضينا باقي الوقت نتكلم عن أفكار صديقي المهمة والصحيحة.

وبعدها بأكثر من عشرين سنة كنت في باريس والتقيت صديقي، واشتكى مر الشكوى من استحالة تغيير فكر الوزارة التي يعمل بها ومقاربتها في بعض الملفات المهمة... "الوزارة تؤمن بعدد من المقولات في هذا الملف... لا أحد يعرف صاحبها بالضبط، ووبما كانت لها وجاهة ما في مرحلة ما، ولكن عمرها الافتراضي انتهى، ومن الواضح أنها أوصلتنا إلى طريق مسدود، ولا أضمن أن أفكاري صحيحة... ولكنها تستحق المناقشة وربما منحها فرصة، وكتبت عدة مذكرات لمكتب الوزير وللمعنيين بالملف... ولا حياة لمن تنادي... عندما يتفضل أحدهم بالرد يقول دائما... منهجنا مدروس ونعرف تماما ما نفعله ونتائجه...، والصراحة لا أعرف متي "دُرِس" منهجهم وكيف؟.. ومن الواضح أنه أصبح عقيما...ولكنهم مصرّون".

المشكلة كالآتي... التفكير الجماعي له مخاطر إن كان المشترك بين المنخرطين فيه كثير وخطأ، لأن النقاش الجماعي في هذه الحالة لا يختبر المقولات الأساسية، الكل أو الغالبية مؤمن بها، من يرى ضرورة التعديل قد يخشى البوح بما يدور في ذهنه، خشية إغضاب الآخرين. وإن أقبل على هذا فإن احتمال إسكاته والسخرية منه وتهميشه كبير... وفي المقابل... هناك اعتبار مضاد... لابد من حد أدنى من الفكر المشترك لو كان المطلوب قرارًا سريعًا – لا أقول متسرعًا، والنقاش حول المقولات الأساسية قد يستغرق وقتا طويلا دون أي حسم وتكون نتيجته الوحيدة عرقلة العمل.

أتذكر هذا خلال متابعتي لأداء وقرارات الرئيسين ترامب وماكرون. رغم اختلاف مشاربهما الفكرية وخلفيتهما المهنية هناك مشترك بينهما، مثل العجز عن ضبط التصريحات والتهور في اتخاذ بعض القرارات...رغم أن أداء الرئيس ماكرون تحسن إلى حد ما مع مرور الوقت في حين أن أداء الرئيس الأمريكي يسوء. وما هو أهم من هذا هو موقفهما السلبي للغاية من دولاب الدولة ومن البيروقراطية ومهارتها في قتل الأفكار. لا أقول إن دولاب الدولة ليس به عوار، ولا أن الآليات والمقاربات التقليدية حققت نجاحا، ما أقوله إن الرفض المبدئي لها بمنطق أنها أوصلتنا إلى ما نحن فيه خطير للغاية، الفرز واجب والمراجعة واجبة، هناك كنوز في الدواليب.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية