خواطر مواطن مهموم 339.. قداسة البابا والإدارة الجمهورية الأمريكية

من الأمور الهزلية دعوة نائب الرئيس فانس قداسة البابا إلى التروي قبل الخوض في اللاهوت

توفيق اكليمندوس

بداية أذكّر القارئ أنني كاثوليكي الديانة وبأن موقفي من الرئيس ترامب سلبي للغاية، وأقول لمن لم يتابع الأخبار إن الرئيس الأمريكي شن هجوما وقحا على قداسة البابا، وفي نفس الأسبوع نشرعلى صفحته صورة لنفسه رسمها الذكاء الاصطناعي يبدو فيها وكأنه هو المسيح الشافي للمرضى، واضطر لحذفها بعد أن ثارت ثائرة الناس وسخريتهم.

حتى الذين يسيئون الظن بالرئيس الأمريكي- وأنا منهم- استغربوا، لا من الوقاحة التي باتت معتادة في الولايات المتحدة - بل من استهداف قداسة البابا، فعدد من كبار المسؤولين في الإدارة الجمهورية الحالية من الكاثوليك، نائب الرئيس فانس، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، وزير الصحة كيندي، قيصر الحدود “توم هومان”، المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، وغيرهم. والوجود الكاثوليكي في تيار ماجا مؤثر، وعدد من كبار مفكريه كاثوليك، وبصفة عامة يبدو تبني خيار الوقاحة مع رمز ديني كبير ومؤثر وله عشرات الملايين من الأتباع في الولايات المتحدة وفوق المليار في المعمورة أمرا عجبا.

وعدم فهم الرئيس لتبعات ووقع قيامه بنشر ما يصوره وكأنه المسيح على نفوس المسيحيين كلهم أيا كانت طائفتهم أمر محير، فالإدارة الحالية تدعي أنها حامية حمى المسيحية، وعندما شنت حربا على إيران فاجأ وزير الدفاع الرأي العام بطلبه أن يصلي كل الأمريكيين لطلب نصرة المسيح وليس الرب، وأشدد طلب نصرة الرب أمر طبيعي، ولكن مخاطبة فئة واحدة من المواطنين، أو تجاهل تعدد الديانات في المجتمع الأمريكي، خطيئة سياسية من الطراز الأول، وأذكّر القارئ أن الرئيس عبد الناصر كان يقول كثيرا “يرى الدين”، “علمنا الدين”، من “قيم الدين” دون تحديد عن أي دين يتحدث لأنه كان يخاطب كل المصريين.

الصحفية الكبيرة بيجي نونان – وهي جمهورية - أجرت مقارنة بليغة بين تصريحات الرئيس المتنوعة وبين أقوال المسيح وتعاليم المسيحية، وباختصار الرئيس ترامب يتباهى بسلوك ويدعو إلى قيم هي النقيض المطلق الواضح للقيم المسيحية، هو يعبد المال ويفتخر بالجشع المتوحش، ويتغنى بمزايا الانتقام وبضرورة كراهية الأعداء، الخ، ولن نخوض هنا في سلوكه الشخصي المعروف للقاصي والداني.

السبب المباشر لفقدان الرئيس لأعصابه وقيامه بذم البابا هو ما قاله الحبر الأعظم، من أن المسيح لا يستمع إلى دعوات من يشنون الحروب، ومن دعوة “القادرين على بدء وشن الحروب” إلى تبني وتفضيل خيار السلام. ولكن الرئيس اتهم البابا بأنه ليبرالي، وهاجم كل مواقف البابا والكنيسة في عدد كبير من قضايا السياسات الخارجية والداخلية، ويرى عدد من رجاله أن البابا بات حليفا أو عميلا للحزب الديمقراطي، وهذا طبعا “كلام فاضي”، وكنت قرأت تقريرا يقول إن البابا الحالي أعطى صوته لنيكي هالي – التي نافست الرئيس ترامب في انتخابات الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري.

ومن الأمور الهزلية دعوة نائب الرئيس فانس قداسة البابا إلى التروي قبل الخوض في اللاهوت !! أعرف أن سيادة النائب له فكر متماسك وعميق – لا أحب توجهاته ولكنه لا “يهرتل” مثل الرئيس ترامب، ولكن التوفيق خانه هنا، إن قصد أنه يتعين على البابا عدم الخوض في المسائل السياسية فقوله مردود في المطلق وفي الظرف الحالي... فالإدارة الحالية تستدعي دائما الدين وتوظفه بأسلوب سمج، وإن قصد أن البابا لا يفهم في اللاهوت فالأمر لا يحتاج إلى تعليق.

سمعت هراء كثيرا، ولكنني وجدت أيضا حجة تجب مناقشتها، مفادها أن المسيحية تعرف نظرية الحرب العادلة، وأن من حق البابا – وأي مؤمن- أن يطرح عددا من الأسئلة خاصة بعدالة حرب معينة، وأن البابا تسرع ولم يلتفت لكونه لا يملك المعلومات السرية المتوفرة لدى الإدارة، والرد على هذا الكلام يتطلب قدرا من التفصيل، نكتفي هنا بالقول إن الإدارة لم تقدم أي حجة مقنعة، وأن الكنسية الكاثوليكية لديها من المعلومات ما لا يتوفر عند غيرها.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية