خواطر مواطن مهموم 337.. تأملات حول الحرب الحالية

علينا أن نسجل أن مجراها أثبت فعلا أن إيران كانت دولة شديدة البأس والخطورة على مصالح الجميع بما فيهم الخليج ومصر

توفيق إكليمندوس

من المبكر إجراء تقييم إستراتيجي شامل لمجريات ونتائج الحرب الحالية، أتصور أن علينا التمييز بين عدة أمور.. هل حققت هذه الحرب أهدافها؟... من ناحية أخري ما هي تبعاتها علي الإقليم... من ناحية ثالثة ما هي تبعاتها علي المشهد العالمي وعلي منظومة التحالفات الأمريكية في المنطقة وفي العالم... ومن ناحية رابعة من الواجب تقييم أداء الإدارة الأمريكية الحالية من ناحية والحكومة الإسرائيليةمن ناحية أخري وطبعا إيران.

موقفي من الإدارة الأمريكية الحالية سلبي للغاية، وهي تمنح لخصومها يوميا أسبابا جديدة لرفض ممارساتها وخطابها وأسلوبها، ولكن علينا الإقرار ببعض الأمور.. الإدارات الأمريكية السابقة بدءا من إدارة الرئيس كلينتون مالت إلي الجمع بين قبول التزامات جديدة باستمرار – توسيع الناتو مثلا، نشر الديمقراطيةبكافة الوسائل مثل آخر، والدخول في مغامرات مكلفة، وعدم الاستعداد الجاد لصعود الصين ولاحتمال تحول الحقد الروسي بسبب الهزيمة إلي تهديد بالغ الجسامة، وفي منطقتنا خانها التوفيق في عدد من الملفات منها الإيرانية،باختصار ليست كل مشكلات واشنطن وليدة اليوم وورثت إدارة الرئيس الحالي وضعا صعبا.

الوضع صعب لأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة علي السيطرة علي كل المسارح وتأمينها في آن واحد، لم تعد قادرة علي شن حربين كبيرتين والانتصار فيهما في آن واحد، من ناحية أخري لعب التطور التكنولوجي دورا كبيرا في تمكين الفاعلين الصغار والمتوسطين، وبات ممكنا لدولة لا تملك بحرية حربية أن تمنع دولة كبري من استخدام آمن للبحار، هذه الحقائق لم يتسبب فيها الرئيس ترامب، والسؤال هو هل أجاد التعامل مع هذا الواقع، وردي الشخصي هو "لا"، لأنه أكثر من الجبهات والمسارح التي تعمل فيها القوات الأمريكية.

فيما يتعلق بالحرب الحالية، علينا أن نسجل أن مجراها أثبت فعلا أن إيران كانت دولة شديدة البأس والخطورة علي مصالح الجميع بما فيهم الخليج ومصر، وفي التقييم الأولي للحرب، علينا ألا تنسينا تصريحات الرئيس ترامب الهوجاء وعنترياته الكريهة، ونجاح إيران في السيطرة علي مضيق هرمز أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في تدمير جزء كبير من الإمكانيات الإيرانية، وفي المقابل فإن إيران ألحقت خسائر كبيرة بدول الخليج الشقيقة وبالاقتصاد العالمي وبالدول التي تعتمد اعتمادا كبيرا علي المرور عبر مضيق هرمز، ولكنها فشلت في إيلام إسرائيل والولايات المتحدة إيلاما يدفعهما إلي تراجع.

نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير عدد من مكونات القوة الإيرانية لا يعني طبعا أن تخطيطهما وتنفيذهما للعمليات العسكرية كان مثاليا، لا نستطيع إجراء تقييم دقيق قبل انتهاء الحرب وربما قبل الإفراج عن الوثائق، ولكن التقارير الصحفية تفيد بأن الرئيس لم ينتبه إلي إمكانية قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز وباستهداف دول الخليج، وهناك ما يوحي بأنه تصور إمكان حسم الحرب دون اللجوء إلي القوات البرية، وأنه غير رأيه بعد ذلك، وهناك من يقول إن التخطيط كان دقيقا فيما يخص الأسبوع الأول فقط، وطبعا لا نستطيع تأكيد أو نفي هذه المقولات، نذكر فقط أن من هم علي اتصال بالإدارة يقولون إن التخبط واضح.

من الأمور التي تسمح بالشك العميق في صواب القرار الأمريكي بشن حرب شرسة ضد إيران المشهد العالمي وكيفية إدارة الرئيس لعلاقاته مع الدول الحليفة في أوروبا وآسيا والخليج – وإسرائيل، فمن ناحية من الواضح أن الاستخدام الكثيف للمعدات يؤثر بالسلب علي الاستعدادات في المسارح الأخرى، ومن ناحية أخري يبدو أن الرئيس يتصور أن إضعاف الحلفاء يقوي الولايات المتحدة، حصر الضربات الموجعة، المباشرة وغير المباشرة، التي وجهها إلي الدول الأوروبية والدول الآسيوية منذ بداية ولايته الثانية أمر مستحيل، وهذه الحرب تسببت في أزمة طاقة ستضعف الاقتصاديات، وفي الوقت نفسه حسنت الحرب الموقف الروسي، تم رفع العقوبات، وسعر الطاقة ارتفع، وتأخر تسليم عدد من المنظومات الضرورية للدول الحليفة.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية