خواطر مواطن مهموم 336

هذه الحرب جزء من خطة شاملة تستهدف مصادر الطاقة التي تعتمد عليها الصين

توفيق اكليمندوس

خواطر حول الحرب

هناك تعريف للإستراتيجية العسكرية يقول إنها “فن توزيع وتطبيق الوسائل العسكرية لتحقيق غايات السياسة”، وتعريف آخر يراها “فن الانتصار من خلال المواءمة المقصودة المتعمدة بين الغايات والأساليب والوسائل”.
يلاحَظ أمران، من ناحية أن الإستراتيجية خطة تعامل مع صراع أو في وسط صراعي، وأن أغلب تعريفات الإستراتيجية تبرز أهمية الغايات، والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل يمكن لدولة أو لقائد تحديد دقيق للغايات؟ ردي الشخصي هو استحالة التعميم من ناحية، وأن هناك أوضاعا كثيرة يمكنك فيها تحديد حد أقصى وحد أدنى من الغايات.
وهناك أسئلة فرعية، هل عدم الإعلان عن الغايات أمر حكيم؟ ما هي مزايا وعيوب كل من الإفصاح والكتمان؟ ومن ناحية أخرى هل يمكن دخول حرب بدون تحديد للأهداف؟ هناك مشترك بين عدم الإفصاح عن الأهداف وعدم تحديدها، وهو أنهما يتيحان نظريا بابا للخروج المشرف من الحرب، أي أنهما يسمحان للقائد السياسي بالزعم أنه حقق ما يريد وانتصر، هناك من يرى أن الخيارين يعقدان حسابات العدو وهنا أيضا أحذر من التعميم. عدم التحديد يحث العدو عامة على افتراض الأسوأ، وهذا قد يدفع إلى تقديم تنازلات، وقد يحفز على مقاومة شرسة.
وأحيانا يمكن للعدو وللمراقبين تحديد هدف الحرب وإن لم يعلن عن طريق دراسة حجم القوات المنخرطة فيها، وكيفية انتشارها، وأسلوبها في القتال، وما هي “قبلة” الهجوم (أو الدفاع)، ولكن هذا التحديد لا يكون دائما دقيقا، لأنه يستبعد احتمال الخطأ الجسيم للقيادة العسكرية، الناتج غالبا عن سوء تقدير لقوات عدوها أو لقدرات قواتها هي.
الرئيس ترامب لم يعلن ما هي أهداف حربه، ويبدو أنه لم يحددها أصلا، وعلى العموم يرى بعض الزملاء أن الهدف هو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ويرى بعض آخر أنه يريد إسقاط النظام الإيراني، وهناك آراء تنسب له حسابات جهنمية من عينة الفوضى تضعف الكل ولكن الولايات المتحدة أقلها تأثرا بها، أو أن هذه الحرب جزء من خطة شاملة تستهدف مصادر الطاقة التي تعتمد عليها الصين، وهناك تفسيرات أخرى تمس شخصه وتفترض فيه الأسوأ، وفي كل الأحوال من الواضح أن العوامل الذاتية والنفسية لعبت وتلعب دورا كبيرا في قرارات الرئيس، منها رغبة في تحقيق ما لم يحققه أسلافه، ومنها غريزة فطرية تدفعه إلى اعتبار كل من يراهم ضعفاء فريسة يجب الانقضاض عليها، وهناك نشوة القوة.
ما يبدو واضحا بالنسبة لي أن حجم القوات التي حشدها لا يعيننا على فهم الغاية، هو أكبر بكثير من اللازم لتقليل قدرات إيران العسكرية، وأقل بكثير من اللازم لإسقاط النظام، ومن ناحية أخرى أتساءل عن قدرة الرئيس على ترتيب أولوياته، لأن هذه الحرب تستنزف معدات ومنظومات تسليح ستحتاج الولايات المتحدة إليها في مسارح أخرى.
قلت إن القوات التي تم حشدها أقل من اللازم لقلب نظام الحكم، ولكن التفصيل واجب، تجب الإشارة إلى جدل دار في أروقة المؤسسات العسكرية الأمريكية بعد حرب تحرير الكويت، حول دور كل من القوات الجوية والبرية، وإلى من يعود الفضل الأكبر في تحقيق النصر المبين، وكان هناك من يرى أن السلاح الجوي بات قادرا على حسم المعركة لوحده، دون حاجة إلى دور هام للقوات البرية، فتطور وسائل المراقبة سمح بدقة كبيرة في تحديد بنك الأهداف، كما سمحت القدرات التكنولوجية الأمريكية بالسيطرة على المجال الجوي، وفي المقابل هناك من تمسك بوجهة نظر تقليدية ترى أن القوات البرية هي التي تحسم.
جاء أول اختبار جاد لنظرية كفاية السلاح الجوي في نهاية التسعينيات، في الحرب ضد صربيا لوقف اعتدائها على كوسوفو، وفي هذه الحرب أجبر السلاح الجوي الأمريكي صربيا على الرضوخ والتسليم بالهزيمة، ولكن القصف الذي مكن هذا استمر 78 يوما، وجاء الاختبار الثاني في هذه الحرب.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية