(إعادة تشكيل العالم عبر اقتصاد الخوف)

نحن لا نعيش حربًا… بل سوقًا عالمية للخوف، فكيف تدار؟ ومن يستفيد منها؟
الطبقة المباشرة من المستفيدين، الاقتصاد الحربي من شركات السلاح والتكنولوجيا العسكرية، ومعها الصناعات المرتبطة بها (الطاقة، الأمن السيبراني، اللوجستيات العسكرية) فالحرب سوق مفتوحة عالية الربحية، تليها؛ الطبقة المالية – المستفيد الذكي غير المباشر من صناديق الاستثمار الكبرى المستثمرة في السلاح، الطاقة، إعادة الإعمار، فهي لا تدخل الحرب، ولكن تستفيد من نتائجها بعدها؛ المضاربون في الأسواق من عملات، وذهب، وبضائع فالأزمات تنتج تقلبات بفرص كسب سريع، ثم؛ الطبقة السياسية بإعادة تشكيل نفوذ القوى الكبرى لتوزيع النفوذ، فرض واقع جيوسياسي جديد، واختيار واختبار تحالفات جديدة. ثم الأنظمة الداخلية؛ لفرض سياسات استثنائية، واستغلال الظرف لتقليل المعارضة، وتوحيد الرأي العام على استمرار القائم معهم؛ وأطراف جيو-اقتصادية مثل دول الطاقة لارتفاع الأسعار بعوائد ضخمة ودول الحياد الذكية المتحولة لمراكز مالية ووسطاء تجاريين، فالحياد أحيانا أربح من الانحياز، ثم يأتي بالتوازي طبقة الظل أو شبكات السوق السوداء في تهريب السلاح والوقود والغذاء، مع فساد إداري بتضخم الإنفاق الحكومي وضعف الرقابة بذات القوة في الاستفادة يبرز الإعلام في زيادة الاستهلاك وتضخم التأثير، وسيطرة شركات التكنولوجيا والمنصات على السرديات والرأي العام وتدفق المعلومات.
المشكلة الأكبر في موقع (الإنسان العادي) من هؤلاء المستفيدين؟ فظاهريا هو خارج المعادلة، وواقعيا هو من يتحمل التضخم، يدفع تكلفة الطاقة، ويعيش عدم الاستقرار بفقدان قدرته على الفهم وتحوله إلي سلة بيانات وشبه معلومات بدون معرفة حقيقية، أو إدراك للخارطة العميقة وموقعه فيها ومنهجية تعامله معها؟ وبالتالي؛ فحروب وصراعات 2026 والقادم ليست مجرد نبوءات، أو اختلافات عقائدية أو أطماع سياسية، ولكنها نظام لإعادة ترتيب العالم لباقي القرن 21 وما يليه! وهنا لن تكون القوة فقط في السلاح والنصر على الأرض، بل من يفهم، ومن يتوقع، ومن يحول الفوضى لفرص؟ أما الباقون فداخل مراجل الحدث لا خارجه.
الزاوية الحقيقية هي وعي وفهم منظومة تجارة القلق وبيزنس الفزع! فالظرف صراع دولي وشبح حرب عالمية ثالثة، والنتيجة دمار وأزمات دولية – ولكن المنظومة الحقيقية من يحول الأزمة إلي قيمة؟ بمعني نتجاوز سؤال: من يستفيد من الظروف إلي كيف تتحرك مصالح مستفيديها الحاليين وعملائها المستقبليين؟ أو كما قيل: الحرب تدمّر محليًا… وتخلق اقتصادًا عالميًا حول الدمار، والنظرة الحقيقية الأعمق تتجاوز إرهاصات الظروف لتدبر عواقبها، فبعد كل حرب أو أزمة تلمع طبقة (مستفيدو إعادة البناء) من شركات المقاولات، والبنية التحتية، والاستشاريون، وبيوت التمويل والبنوك.
ما نحن فيه يحتم تجاوز البحث عن “مؤامرة”، لفهم المنظومة التي تتحرك فيها الحرب وموقعنا فيها (كمصر وشرق أوسط)، حيث تتحول الصدمات لفرص، والدمار لقيمة، والفوضى لإعادة ترتيب، وببساطة؛ لإمكانية الاستمرار علينا فهم أن جوهر الحرب نظام اقتصادي متكامل من مصانع تعمل، سلاسل توريد تتحرك، أسواق تتقلب، رءوس أموال تعيد تموضعها، ليأتي الإعلام لدعم هذا الجوهر بمن يكتب الرواية الجديدة؟ فيصمم الإدراك ويعيد تشكيل الحدث والمعنى، تمكينا للنظام الاقتصادي من التحور للعالم جديد.
جزء كبير ممن يفهم طبقات المستفيدين وتحركات مصالحهم، يعي جيدا دور الإعلام والمنصات و”البروباجندا” في شلل العقل عندما يبدأ بتحويل الصراع لقدرٍ ميتافيزيقي لا يُمس، بينما الفهم العملي يبدأ حين نعتبر الحرب ــ مهما عظمت ــ مرحلة انتقالية قاسية ستنتهي، ثم تنتج عالمًا مختلفًا لا عالمًا منعدمًا! والواعون من الطبقات المستفيدة تعي ذلك بامتياز! فالمؤسسات الاقتصادية والتنموية لا تتعامل مع الحرب كنهاية للتاريخ، بل كصدمة تعيد ترتيب النمو، والإنفاق العام، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وإعادة الإعمار، والوظائف إلخ.
الصورة المتوقعة لما بعد الحرب، ستكون لعالم أكثر خشونة، وأكثر انتقائية، وأكثر عملية، عالم لن يكافئ الأكثر ضجيجًا، بل الأكثر تنظيمًا، لن تُحسم فيه الأشياء بالشعارات والصلوات، بل بالقدرة على إعادة البناء، واستيعاب الصدمة، وتدبير الطاقة، وحماية التدفقات المالية، وتوليد العمل، وإدارة الندرة، وبالتالي سيصبح “الأمن” قيمة اقتصادية، لا مجرد وظيفة سيادية، أي دولة أو شركة أو فرد يستطيع أن يضمن الاستمرارية، والحد الأدنى من الانضباط، والوصول إلى الطاقة والتمويل والاتصال، ستكون له أفضلية حقيقية، ومع ذلك ستتوازى قيمة الأمن مع الاستثمار في إعادة البناء (وطبقات مستفيديه)، فغياب الاستثمار المبكر في التعافي سيحبس المجتمعات في الفقر والاعتماد الطويل على المساعدات، هذا التعافي سيحتاج لمنهجية انتقائية مرنة وواعية في جميع القطاعات، فتجعلنا نحتاط لتوفير أمننا الغذائي والتقني والدوائي واللوجيستي في سلاسل توريد قريبة ومُسيطر عليها لا بعيدة وهشة! وعليه، فالبقاء سيكون لمن ضمن الكفاية الذكية! ليس لأنه الأقوى عسكريًا، بل لأنه عرف كيف يضمن لنفسه خمسة أشياء: دخلًا قابلًا للاستمرار، ومعرفة قابلة للتحويل، وشبكة علاقات موثوقة، وقدرة على العمل تحت الضغط، وحدًا أدنى من الحماية النفسية والمادية.
وهو ما يقودنا لفهم آليات البقاء في عالم جديد! وأولها الانتقال من عقلية الاستهلاك لعقلية الجاهزية، التي لا تعني التخزين المرضي أو الهلع، بل تعني أن يُعيد الفرد والأسرة والشركة ترتيب أولوياتهم حول الضروريات (سيولة نقدية منضبطة، والتزامات أقل، وديون أقل، ومهارات أكثر، واعتماد أقل على مصدر واحد للدخل أو التوريد أو القرار) ففترات ما بعد الحرب عادة ما تبدأ بتقلبات، لا باستقرار فوري، مع ارتفاعات محتملة في أسعار الطاقة، أو التمويل، أو التأمين، أو النقل، لذلك فتوجه العقلية الجاهزية تبحث دوما عن التموضع داخل اقتصاد إعادة البناء، فمن سيفكر بعقل ما بعد الحرب من الآن، يجب أن يسأل: أين ستكون الحاجات الكبرى حين تهدأ الانفجارات؟ ستكون في العقود، والتسويات، والتأمين، والبنية التحتية، والإسكان، والخدمات، وحلول التمويل الصغير، والمنصات التي تصل بين الحاجة والتنفيذ، غير أن العقلية الجاهزية (المطلوبة من الآن)، هي من توفر الحماية النفسية لصاحبها من التآكل البطئ، فأخطر ما تفعله الحرب الممتدة أنها لا تقتل الناس فقط، بل تستنزف الإدراك، وتكسر الإيقاع، وتحوّل القلق إلى نمط حياة. لهذا فإن من سيبقى لا بد أن يتعلم إدارة الانتباه، وتقليل التعرض المستمر لدوامات الرعب، والحفاظ على روتين إنتاجي بسيط لكنه ثابت، لذلك مهم جدا إعادة تعريف معنى البقاء نفسه! فالبقاء ليس مجرد تجنب الموت، بل تجنب التحلل الداخلي، فيبقى للإنسان تماسكه، وقدرته على الحكم على الأمور، وكرامته المهنية، وشبكته الاجتماعية، ومرونته في التكيف، هنا يصبح البقاء مشروعًا مركبًا: ماليًا، ومهنيًا، وعقليًا، وأخلاقيًا. لذلك فإن العالم بعد الحرب سيعطي أفضلية لمن يستطيع الجمع بين الصلابة والمرونة: صلب في المبادئ، مرن في الأدوات.
بقاؤنا بعد الحرب لن يكون هدية تاريخية أو قدرية، بل نتيجة وعي واستعداد متصاعد يلزمنا العمل عليه من الآن، فالنصر يحب حُسن الإعداد، والخصم هنا هو عالم ما بعد الحرب، الذي لن يكون سؤاله ماذا خسرت؟ بل ماذا أصبحت؟.
* محامى وكاتب مصرى
[email protected]