للرئيس ترامب عدد من الخصال السياسية مكنته من الفوز مرتين في انتخابات رئاسية، ومن تحقيق هذه النتيجة دون أن يكون لحزبه أي فضل في هذا، وبالعكس هو أول جمهوري ينجح في الحصول علي أصوات أعداد معتبرة من اللاتينيين ومن السود، وأيضا نجح الرجل في إقناع المتدينين بوجوب غض النظر عن سلوكه الشخصي الخاص والعام المخالف لتعاليم كل الأديان وانتخابه.
أبرز هذه الخصال فهم غريزي لتطلعات وضغائن وآمال قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي، وتحكم كامل في فنون الاتصال والإعلام وفي كيفية تصدر نشرات الأخبار، وإرادة صلبة لا تلين في عدد من القضايا والمسائل، وفهم فطري لموازين القوة وشراسة وحشية في استغلالها، ونوع ما من الخبث اللئيم يعينه في المفاوضات، وفهم عميق لعيوب ما هو فكر مشترك بين نخب حكم الدول الغربية، وأتصور أخيرا وليس آخرا أن طاقته نادرة ومذهلة عند شخص يناهز عمره الثمانين.
ويتكلم عدد كبير من المراقبين عن عقده النفسية، وعن إعجابه المرضي بالحكام الأقوياء القادرين علي القرار والحسم السريعين، وعن توظيفه للسلطة من أجل جمع المال الخاص، وعن طغيان رغبته في الانتقام من كل من وقف في طريقه، وعن جهله المريع بالجغرافيا والتاريخ وأصول الإستراتيجية.
أتصور أنه لا يعرف مصادر وأركان القوة الأمريكية، وأسوق بعض الأمثلة، الدولة والمجتمع الأمريكيان وفرا كل الشروط التي تجعل القرار الرشيد ممكنا، مجلس الأمن القومي ينظم اجتماعات بين ممثلي الهيئات والوزارات وأصحاب المصالح في ملف ما، يتم الاستماع إلي الكل ويحاول كل حاضر دحض وجهة نظر غيره إن رآها مضرة بالصالح العام من وجهة نظره، ثم يرفع تقرير للرئيس يلخص جوانب المشكلة ويقدم خيارات وتوصيات وتوقعات، ولدي رجال الكونجرس القدرة علي التواصل مع الرئيس أو مع إدارته، وهناك في العاصمة وفي المدن الكبرى وفي الجامعات مئات من المراكز الفكرية تدرس وترصد وتجمع معلومات وتطرح تصورات.
ونلفت النظر إلي أهمية الجامعات الأمريكية، وعلي قدرتها علي جذب مواهب من كل أنحاء العالم، وعلي توفير لهم إمكانيات مالية وأدوات عمل لا توجد في أي مكان آخر، أتذكر قول زميل أمريكي ترك وظيفته في جامعة أمريكية متوسطة ليعمل في إحدي أهم الجامعات البريطانية، قال لي “لم أكن أعلم كم نحن محظوظين في أمريكا قبل أن أعمل هنا”، ويتم الفرز بين الطلبة والباحثين والأساتذة وانتقاء الأحسن دون أي تمييز ديني أو عرقي، تأمل أيها القارئ قائمة الحاصلين علي جوائز نوبل، أغلب من يحصل عليها إما أمريكي أو يعمل في جامعة أمريكية.
للإنصاف نقول إن هروب العقول وترددها وخوفها من العمل في الولايات المتحدة أمر بدأ قبل ولاية الرئيس الثانية، فالسياسات اليسارية تسببت في إحجام الكثيرين، وسمعت من أساتذة فرنسيين أنه طلب منهم في جامعات أمريكية حضور محاضرات “توعية” تعلمهم كيفية مخاطبة الطلبة المثليين والمنتمين إلي أقليات وإلي النساء وإلي.. وإلي... ويعاملون كأنهم من النازيين قبل أن يثبت أي شيء ضدهم، ومن نافلة القول أن سياسات الرئيس ترامب المعادية للهجرة والمكثرة من الشروط للحصول علي تأشيرة فاقمت من المشكلة، انخفض عدد الطلبة والأساتذة الأجانب في أغلب الجامعات، وهم ركن إساسي من تفوقها.
الرئيس اختار أن يحجم مجلس الأمن القومي، واستغني عن الكثير من كوادره، ولم يعد يعتمد علي عمله، ودفع أعداد كبيرة من الدبلوماسيين إلي الاستقالة، وتم إبعاد عدد من القادة العسكريين المرموقين، وتراجعت أهمية صوت المراكز الفكرية، وقلص بإصرار عظيم سلطات الكونجرس لا سيما الرقابية، ولفق قضايا لكل من يعارض توجهاته، منهم محافظ بنك الاحتياط الفيدرالي.
وعلي مستوي السياسة الخارجية، من الواضح أن الرئيس رأي أن كل الحلفاء أعباء، وأن السلطة الناعمة لا أهمية لها، وسأعود إلي كل هذا.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية
خواطر مواطن مهموم 335.. الرئيس ترامب وأركان القوة الأمريكية
أتصور أنه لا يعرف مصادر وأركان القوة الأمريكية، وأسوق بعض الأمثلة، الدولة والمجتمع الأمريكيان وفرا كل الشروط