خواطر مواطن مهموم 334 .. عن الرئيس الأمريكي -مرة أخرى (١)

لا أقول هذا لإعفاء هذه الجماعات من المسؤولية ومرة أخرى أمضيت عقودا أنتقد تصوراتها حول بلدنا الحبيب

توفيق اكليمندوس

يطلب الرأي العام من الخبير ردودا وتوقعات، وهو لا يملك شجاعة أن يقول “لا أعرف”، و”أقصى ما أستطيع فعله هو تقديم إيضاحات، وشرح للخلفيات، وبيان لمدركات الفرقاء، وتذكرة بقواعد الإستراتيجية، علما بأن القواعد في العلوم الإنسانية تعرف العشرات من الاستثناءات”.

وهيجل قال ما معناه أننا لا نستطيع أن نستخلص العبر قبل انتهاء المرحلة، ورغم هذا على الخبير الاجتهاد، ولا أرى فيما يخصني ضرورة إخفاء شكوكي في نفسي وفي فهمي، ولا أجد غضاضة في الاستماع إلى آراء غيري عربًا وأعاجم إن كنت أثق في مهاراتهم.

حضرت وبينار قال فيه خبير أمريكي ما يفيد أن الرئيس ترامب دأب على مخالفة الأعراف، وعلى عدم التقيد بأصول الإستراتيجية، وعلى التنمر، لأنه لم يدفع ثمنا لهذا السلوك... الكل يخشاه، ويقدم له التنازلات، وحتى عندما قاوموا ورفضوا الامتثال لإملاءاته، لم يكلفه هذا شيئا، والآن يكتشف الرئيس أن هناك كلفة للتصرفات الخاطئة، وضع نفسه في مأزق، وبات كل همه هو الخروج منه دون فقدان ماء الوجه، ولكن لا مخرج بدون خسارة كبيرة، قد يستطيع الرئيس الادعاء أنه انتصر، وأنه حقق المراد، وأنه أضعف إيران، وقد يوجد من ينخدع بهذه الأكاذيب، ولكن الحقيقة ستظل واضحة... الحرب إياها لها كلفة باهظة جدا أيا كانت نتيجتها، وما لم تنهَر إيران ستكون هذه النتيجة غالبا سيئة للولايات المتحدة، وللاقتصاد العالمي، وللمنطقة، ولحلفاء الولايات المتحدة وللرئيس.

تذكرت فجأة واقعة حصلت أثناء ولايته الأولى... عندما قال إنه يصدق الرئيس الروسي ولا يصدق أجهزة دولته (الولايات المتحدة)، وربطت هذا بإصراره على تكليف السادة “ويتكوف” و”كوشنر” بأصعب المهام الدبلوماسية، وهما – أيا كانت صفاتهما الشخصية- ليسا من أعضاء جماعات السياسة الخارجية ولا دبلوماسيين، ليس كل من يجيد فن التفاوض يصلح في السياسة الخارجية، وبدا لي أن الرئيس فعلا لا يثق في أجهزة دولته.

أتصور أنني أستطيع تخيل أسلوبه في التفكير... يرى غالبا أن جماعات السياسة الخارجية فشلت في أغلب الملفات خلال هذه الألفية، وأعضاؤها يدعون المعرفة، ومن الواضح لأي منخرط في الشارع أن مقارباتهم ساذجة وتقليدية وأنهم يكررون الأخطاء نفسها ولا يرون أن فرضياتهم لا تستقيم، يحذرونني من فلان أو علان، ويتصورون أنهم يعرفونهم، في حين أن مصدر “معرفتهم” كتب ألفها أمثالهم من القابعين في مكتبات الجامعات، هم لم يقابلوا من يتكلمون عنهم، في حين أنني قابلتهم، وجلست معهم، واستمعت إليهم”، وأتصور أيضا أنه يرى أنه على عكسهم يجيد فن التفاوض الشرس. 

ولكن الرئيس الأمريكي لا يدرك تأثير عقده النفسية وضغائنه المشروعة وغير المشروعة على قدرته علي تقييم الأمور، وأن “الضحك عليه” أمر سهل، لا سيما إن كان نظيره ضابط مخابرات متمرسًا، يعرف كيف يستغل نقاط ضعف البشر.

بيان نقاط قوة ونقاط ضعف المقاربات المختلفة لأعضاء جماعات السياسة الخارجية في الغرب يحتاج إلى كتب، وسأكتفي هنا ببضع إشارات. الرؤساء يستمعون إليهم ولكن لهم (الرؤساء) اهتمامات واعتبارات أخرى، منها الملفات الأخرى في السياسة الخارجية، ومنها ملفات السياسة الداخلية، ومنها مصالحهم – أولها إعادة انتخابهم-. قبل أن ننسب الفشل إلى جماعات السياسة الخارجية علينا أن نتساءل هل أخد القائد بنصائحهم؟

لا أقول هذا لإعفاء هذه الجماعات من المسؤولية ومرة أخرى أمضيت عقودا أنتقد تصوراتها حول بلدنا الحبيب... وحول بلاد أخرى مثل السعودية وروسيا مثلا. وحالة روسيا تستحق وقفة لبيان تعقيد القضايا... أغلب خبراء الأنظمة السياسية المتخصصين في الشأن الروسي يحذرون من الثقافة الإستراتيجية لهذه الدولة، ومن عدوانيتها البنيوية، ومن ميلها إلى اللجوء للحروب لضمان تماسك الجبهة الداخلية، ومن أطماعها التوسعية، ومن خلفيات نخبها، ويرون ضرورة التصدي لها بحزم وباستمرار، ولكنهم ينسون أن روسيا دولة نووية، وأن التفرغ الكامل للتصدي الصلب لها أمر مستحيل. 

 

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية