عقيدة كارتر ومشروع إسرائيل الكبرى.. كيف تحول الشرق الأوسط إلى ساحة دائمة للحرب؟

هناك طبقة أعمق من التحليل تتعلق بما يعرف بـ«إعادة تدوير البترودولار

حاتم زغلول

لماذا لا يزال الشرق الأوسط يحترق منذ عقود بينما تهدأ الحروب في مناطق أخرى من العالم؟ هل هي الصدفة، أم أن هناك خيطاً ناظماً يربط بين الانقلابات والحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة منذ منتصف القرن الماضي؟ في الثالث والعشرين من يناير عام 1980، وقف الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أمام الكونجرس معلناً ما عُرف لاحقاً بـ«عقيدة كارتر»؛ وهي لحظة فارقة لم تكن مجرد رد فعل على الغزو السوفيتي لأفغانستان، بل كانت الإعلان الرسمي عن تحول الشرق الأوسط إلى منطقة مصالح حيوية تبرر استخدام القوة العسكرية الأمريكية بدون حدود.

من هنا نبدأ خيط التحليل لفهم أن ما نراه اليوم من صراعات ليس أحداثاً متفرقة، بل هو امتداد لإستراتيجية وضعت أوزارها قبل أكثر من أربعين عاماً، واستمرت بغض النظر عن تغير الرؤساء أو الأحزاب في البيت الأبيض. ولكن هل كانت هذه الإستراتيجية الأمريكية تعمل وحدها، أم أنها تقاطعت مع مشاريع إقليمية أخرى هدفت إلى الغاية نفسها؟

● العقيدة والتحول الإستراتيجي

نصت عقيدة كارتر بوضوح على أن أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستعتبر تهديداً مباشراً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن واشنطن ستستخدم كل الوسائل الضرورية -بما في ذلك القوة العسكرية- لمنع حدوث ذلك. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا هو: ما المقصود بالمصالح الحيوية؟ هل هي أمن السكان، أم أمن تدفق الطاقة، أم أمن هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي؟

يرى كثير من المحللين الإستراتيجيين أن هذه العقيدة لم تكن لحماية الخليج فقط، بل كانت لترسيخ مفهوم «الهيمنة عبر الطيف الكامل» (Full Spectrum Dominance)؛ حيث تحولت المنطقة إلى مختبر دائم للتجارب العسكرية والسياسية، ومنذ ذلك الحين تعزز الوجود العسكري الأمريكي عبر قواعد منتشرة من البحرين إلى قطر وصولاً إلى المحيط الهندي، مما حول الخليج إلى بحيرة أمريكية بامتياز.

● سلسلة التدخلات ونمط تغيير الأنظمة

عند تتبع الوقائع التاريخية نجد أن الأرقام لا تكذب؛ فوفقاً لبيانات خدمة أبحاث الكونجرس، استخدمت الولايات المتحدة قواتها المسلحة خارج أراضيها نحو 481 مرة منذ عام 1798، وكان للشرق الأوسط نصيب الأسد من هذه العمليات. لكن الأهم من العدد هو النمط المتكرر.

فانقلاب إيران عام 1953 الذي أطاح بمحمد مصدق بعد تأميم النفط لم يكن حدثاً معزولاً، بل كان النموذج الأول لما عرف لاحقاً بـ«تغيير الأنظمة» (Regime Change)، تلاه دعم انقلاب سوريا عام 1949، ثم التدخل في لبنان عام 1958، وصولاً إلى حروب الخليج وغزو أفغانستان والعراق، والعمليات المستمرة في سوريا والعراق منذ عام 2014. هل يمكن اعتبار هذه الأحداث مجرد ردود فعل على تهديدات أمنية، أم أن هناك هدفاً إستراتيجياً يتم تحقيقه عبر كل حرب وهو تفكيك أي قوة إقليمية قد تهدد السيطرة على موارد المنطقة؟

● النفط والدولار والأمن

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحول النفط من مجرد سلعة اقتصادية إلى عنصر جيوسياسي أول؛ فمن يسيطر على «الصنبور» يسيطر على الاقتصاد العالمي. ويرى عدد من الباحثين أن العديد من الصراعات الكبرى منذ عام 1945 ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بمناطق إنتاج النفط أو طرق نقله؛ مثل مضيق هرمز، وقناة السويس، وباب المندب.

لكن هناك طبقة أعمق من التحليل تتعلق بما يعرف بـ«إعادة تدوير البترودولار» (Petrodollar Recycling)؛ حيث يتم بيع النفط بالدولار الأمريكي مما يضمن طلباً عالمياً مستمراً على العملة الأمريكية، وبالتالي فإن أي تهديد لأمن الطاقة هو في جوهره تهديد للنظام المالي الأمريكي، وهذا ما يفسر الحماسة الأمريكية للتدخل العسكري في أي منطقة تهدد هذا التوازن.

● المجمع الصناعي العسكري والباب الدوار

لا يمكن فهم استمرار الآلة الحربية الأمريكية دون فك شفرة ما حذر منه الرئيس دوايت أيزنهاور عام 1961 تحت مسمى «المجمع الصناعي العسكري» (Military Industrial Complex)؛ فالعلاقة هنا ليست مجرد توريد أسلحة، بل هي شبكة مصالح معقدة تربط بين صناعات الحرب وصناع القرار السياسي.

بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي نحو 997 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يمثل نحو %37 من الإنفاق العسكري العالمي، وهذه الأرقام الضخمة تذهب في جيب شركات كبرى مثل: لوكهيد مارتن، رايثيون، نورثروب جرومان، بوينج، وجنرال دايناميكس. والأخطر من ذلك هو ظاهرة «الباب الدوار» (Revolving Door) في واشنطن؛ حيث ينتقل المسؤولون الحكوميون للعمل في شركات السلاح بعد خروجهم من المناصب. فديك تشيني وزير الدفاع السابق أصبح رئيساً تنفيذياً لشركة هاليبرتون، ولويد أوستن وزير الدفاع الحالي كان عضواً في مجلس إدارة شركة رايثيون، ومارك إسبر الوزير الأسبق عمل في نفس الشركة قبل توليه المنصب. عندما يتحول صانع القرار إلى مستفيد مباشر من القرار، هل يبقى الأمن القومي هو الهدف أم تتحول الإستراتيجية إلى سلعة؟

● إسرائيل والقواعد العسكرية

في قلب هذه المعادلة الجيوسياسية، تبرز إسرائيل باعتبارها أحد الحلفاء الإستراتيجيين الرئيسيين، وتشمل العلاقة تعاوناً عسكرياً وتكنولوجياً واستخباراتياً واسعاً، بالإضافة إلى مساعدات عسكرية سنوية تبلغ نحو 3.8 مليار دولار. ويرى بعض المحللين أن إسرائيل تعمل كـ«حاملة طائرات لا تغرق» (Unsinkable Aircraft Carrier) في قلب المنطقة، مما يخدم الهدف الإستراتيجي الأمريكي في الحفاظ على توازن القوى لصالحها. وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية حول مناطق الطاقة في الخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسط يعكس رؤية إستراتيجية تهدف إلى ضمان أمن طرق التجارة والطاقة العالمية والحفاظ على القدرة العسكرية للتدخل السريع.

● مشروع إسرائيل الكبرى والتفتيت الإقليمي

لا يمكن اكتمال الصورة الجيوسياسية للمنطقة دون التطرق لما يعرف في الأدبيات السياسية بـ«مشروع إسرائيل الكبرى» (Greater Israel)، وهو مفهوم لا يقتصر فقط على التوسع الجغرافي، بل يتعداه إلى هندسة ديموغرافية وسياسية للمنطقة بأكملها. ويرى كثير من الباحثين أن هذا المشروع يتقاطع في مراحل كثيرة مع الإستراتيجية الأمريكية القائمة على تفتيت الدول الكبرى في المنطقة إلى كيانات صغيرة يسهل السيطرة عليها.

وتشير وثائق وتحليلات عديدة إلى أن فكرة التفتيت لم تكن وليدة الصدفة، بل ظهرت بوضوح فيما عرف بـ«خطة ينون» (Yinon Plan) التي نُشرت في أوائل الثمانينيات، والتي دعت إلى تقسيم الدول العربية المحيطة بإسرائيل إلى دويلات طائفية وإثنية ضعيفة لضمان التفوق الإستراتيجي الإسرائيلي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل كان هذا التفتيت هدفاً إسرائيلياً خالصاً، أم أنه خدم أيضاً الهدف الأمريكي في منع ظهور أي قوة إقليمية موحدة قد تهدد هيمنة الغرب على نفط الخليج؟

إن النظر إلى الخريطة السياسية للمنطقة اليوم -بعد غزو العراق وتدمير سوريا وليبيا واليمن- يوحي بأن هناك عملية هندسة قسرية تجري على الأرض؛ فالحدود المرسومة باتفاقية سايكس بيكو تبدو وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الترسيم الدموي الذي يخدم فكرة الأمن الإسرائيلي قبل الأمن العربي. وفي هذا السياق، يبرز دور إسرائيل كطرف فاعل ليس فقط في الدفاع عن نفسها، بل في تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها بما يضمن استمرار ضعف الجوار العربي.

ويربط محللون إستراتيجيون بين عقيدة كارتر التي تهدف لمنع سيطرة قوة خارجية على الخليج، وبين المشروع الإسرائيلي الذي يهدف لمنع سيطرة قوة إقليمية عربية على المنطقة؛ فكلاهما يلتقيان في نقطة واحدة وهي الحفاظ على حالة من «الفوضى الخلاقة» (Controlled Chaos) التي تمنع أي طرف من فرض هيمنته الكاملة. ومن هنا يمكن فهم الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل ليس فقط كعلاقة قيم مشتركة، بل كضرورة إستراتيجية لحماية المصالح الأمريكية في الطاقة والنفوذ. لكن هل هذا التقاطع دائم؟ أم أنه قد يشهد شروخاً في المستقبل مع تغير أولويات الولايات المتحدة وانتقالها نحو منافسة الصين في المحيط الهادئ؟ هذا ما يبقى مفتوحاً للتأمل؛ فإسرائيل الكبرى قد تكون هدفاً إستراتيجياً إسرائيلياً، لكنه قد يتعارض يوماً مع المصالح الأمريكية إذا كلفها ثمناً باهظاً في الاستقرار العالمي.

الخاتمة: ما وراء المعنى الظاهر

عند جمع هذه العوامل معاً، يتضح أن الشرق الأوسط يمثل عقدة إستراتيجية تجمع بين الطاقة والموقع الجغرافي والتوازنات العسكرية؛ فالموارد الطبيعية والممرات البحرية الحيوية والوجود العسكري للقوى الكبرى جعلت المنطقة محور تنافس دائم في النظام الدولي.

ولهذا السبب لم تكن الصراعات التي شهدها الشرق الأوسط مجرد نزاعات محلية، بل كانت في كثير من الأحيان انعكاساً لصراع أوسع على النفوذ والموارد في النظام العالمي. وكما أشار دبلوماسيون عرب أمثال عمرو موسى، فإن ما تشهده المنطقة من صراعات متكررة يعكس تنافساً دولياً على النفوذ والطاقة وإعادة ترتيب موازين القوى.

يبقى السؤال الأخير للمستقبل: هل ستستمر هذه العقيدة في ظل ظهور قوى جديدة مثل الصين وتغير خريطة الطاقة العالمية؟ أم أن الشرق الأوسط سيبقى رهينة لإستراتيجيات رسمت قبل أكثر من أربعين عاماً؟ الجواب يكمن في مدى قدرة الدول الإقليمية على فك هذا الاشتباك وبناء نظام أمن مستقل يخدم مصالح شعوبها قبل مصالح القوى الخارجية.

* حاتم زغلول مخترع الواي فاي السريع وخبير تكنولوجيا الاتصالات