أثبتت الساعات الأولى للحرب قدرة الفاعلين على الأداء العسكري والاستخباراتي الرفيع. من ناحية تمكنت المخابرات الإسرائيلية من تحديد أماكن ومواقيت اجتماعات القيادات الإيرانية، وهو إنجاز مذهل، وفي المقابل لم ترتبك الدولة الإيرانية رغم قتل مرشدها الروحي والسياسي وعشرات من القيادات العليا، وهذه القدرة على هذا الأداء في مثل هذه الظروف معجزة.
إيران الطرف الأضعف، لكن إستراتيجيته لافتة للنظر، وتبدو لي الوحيدة الممكنة، سواء نجحت أم فشلت، التي تحاول الرهان على أن الوقت حليفها، الرئيس ترامب يفضل إنهاء الحرب بسرعة؛ حتى لا يُتهم بأنه أعاد كابوس الحروب اللانهائية بلا هدف واضح، وحتى لا يضطر للتفاوض مع «الكونجرس» حول تمويلها، وحتى لا ترتفع كلفتها البشرية والعسكرية والمادية والمالية، وتحديدًا لا يريد أن يبدد كل مخزون الولايات المتحدة من الأسلحة المتطورة؛ لأن المشهد الدولي حامل لأزمات وصراعات أخرى، إيران تحاول الصمود ورفع كلفة الحرب بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين، وتضرب وتقصف دستة دول؛ منها دول الخليج الشقيقة الحبيبة، وتغلق مضيق هرمز، وهي تأمل أن يزداد عدد المتضررين من العمليات الحربية ليضغطوا من أجل إنهاء الحرب، وهي تقبل مخاطرة أن تنضم هذه الدول أو بعضها إلى التحالف الذي يضربها، بمنطق أن القيمة المضافة للعدوان الأمريكي الإسرائيلي لن تكون حاسمة في حد ذاتها. عدد من الزملاء القديرين يرون أن هذا التصرف غبي، وأن إيران بقرارها هذا تقبل مخاصمة طويلة تدوم عقودًا مع الرأي العام الخليجي، وأذهبُ مذهبهم في تقييمهم خطورة هذه العداوة على إيران، لكن السؤال يبقى: هل تملك إيران في ظروفها الحالية خيارًا أكثر فعالية؟
يختلف المراقبون في تحديد الأهداف الحقيقية للحرب، الرئيس ترامب لم يحددها بوضوح، على عكس إسرائيل التي تريد إسقاط النظام وإضعاف إيران. من ناحية، هذه الضبابية في أهداف الرئيس الأمريكي تتيح له نوعًا من المرونة، وقدرة على تفادي تشخيص بعجز عن تحقيق المراد، لكن الجميع يتصور أنه يريد على الأقل تقويض قدرات النظام الإيراني. وأيًّا كان الأمر، يبقى أن إسرائيل لا تهتم بمصير إيران بعد سقوط النظام، إنْ حصل، ما يهمُّها أن تبقى إيران ضعيفة، في حين أن الرئيس الأمريكي لا يملك ترف اللامبالاة التامة؛ لأن عليه تفادي سيناريو فوضى شاملة.
يلاحَظ أن الدفاعات الجوية وجدت صعوبة بالغة في التصدي للطائرات المُسيرة، وتفسير هذا هو قصر المسافة بين دول الخليج والعراق وإيران.
في الأوساط المالية، هناك من يرى أن الرئيس ترامب يعمل على حرمان الصين من مصادرها المورِّدة للطاقة، وأنه يرسل رسالة إلى كل دول العالم: لن تحميكم الصين. وهناك مَن يشكك في هذا التحليل، ومنطقه في هذا أن الضرر الذي يلحق اليابان جراء هذه الحرب أكثر جسامة من الأضرار التي تعاني منها الصين. لا أستطيع حسم النقاش.
في أي حرب لها تبِعات تتجاوز إقليمها، هناك مستفيدون ومتضررون، وأتصور أن روسيا من المستفيدين، صحيح أن استثماراتها في إيران معرَّضة للخطر، شأنها شأن مشروع طريق الشمالي الجنوبي الذي يربط بينها وبين مواني إيران في المحيط الهندي والذي يمر عبر القوقاز. لكن إغلاق مضيق هرمز والارتفاع الكبير بأسعار الطاقة يعنيان أن دخل روسيا سيرتفع، ولو لفترة مؤقتة، وسيخفف هذا من حدة أزمتها الاقتصادية، ومن ناحية أخرى، استهلاك مخزون الولايات المتحدة من الأسلحة المتطورة في حرب شرق أوسطية يعني أن هذه الأسلحة لن تذهب إلى أوكرانيا. وفي المقابل لن تعاني روسيا كثيرًا من استهلاك الطائرات المُسيّرة الإيرانية؛ لأنها باتت تصنعها عندها.
أعود إلى خسارة الصين عددًا من شركائها، الإعلام الغربي يقول إن موسكو وبكين أثبتتا عجزًا مُخزيًا في الدفاع عن «حلفائهما». لكن هذا كلام مردود، يمكن القول إن الصين لا تعقد تحالفات، وتتفادى تشتيت جهودها في حروب بعيدة عن أرضها.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية