كنت أشاهد، شاردًا، فيلمًا وثائقيًّا لا أعرف عنه سوى أنه يتناول الحرب العالمية الثانية، وفجأة سمعت جملة صدمتني وأجبرتني على التركيز. رئيس الوزارة البريطاني ونستون تشرشل يستعرض مع عسكريين أمريكيين وبريطانيين خطط أضخم عملية إنزال في التاريخ، عملية أوفرلورد لتحرير فرنسا من الاحتلال الألماني، وكانت تنص على قصف جوي شرس لمدة طويلة نسبيًّا يسبق عملية الإنزال نفسها، واحتج تشرشل قائلًا: جميل جدًّا أن نحرر فرنسا، لكن الأجمل أن يكون هناك فرنسيون على قيد الحياة لينعموا بالاستقلال والتحرير، ستقتلون مئات الآلاف من الفرنسيين! واتصل تشرشل بروزفلت ليطالبه بتعديل الخطط، ورفض الرئيس الأمريكي لأن هذا القصف ضروري لإضعاف الألمان ولتقليل الخسائر في صفوف جيوش الحلفاء، فتوجه تشرشل إلى قائد العملية الجنرال دوايت أيزنهاور متوسلًا تعديل الخطط.

تشرشل لم يكن رجلًا طيب القلب تُحركه دوافع نبيلة، أيًّا كانت صفاته وما أكثرها - شئنا أم أبينا، كرهنا أفكاره الاستعمارية أم تغاضينا عنها، هو من أعظم قادة القرن العشرين، أقول: أيًّا كانت صفاته، لم يتردد في إعطاء أوامر بقصف وحشي لمدن ألمانية، قصفُ دريسدن قتل مائة ألف ألماني في ليلة واحدة، ولم يكن لهذه الغارة أي هدف إستراتيجي، ولم تحطم معنويات الألمان، هدفها كان الانتقام لكل ما تحمّله البريطانيون جراء القصف الألماني.

رغم مطالب تشرشل، وتجاوب أيزنهاور، تم محو مدينة كاين من الخريطة، على سبيل المثال، إذ سوّت قنابل الحلفاء ثلاثة أرباع المدينة بالأرض، أما مدينتا سان لو ولو هافر فقد عانتا أكثر، حيث دُمّر %77 و%82 من مبانيهما على التوالي، وبصفة عامة كانت فرنسا محظوظة جدًّا إن قورنت بدول أوروبا الشرقية أو بألمانيا.

عندما دخل الحلفاء ألمانيا، في الأشهر الأولى من سنة 1945، ذهلوا لأن المدن كانت شبه خالية من الرجال. ضحّت القيادة السياسية للبلاد بأجيال كاملة من المواطنين، وفي أوروبا كان هناك عشرات الملايين من الأطفال بلا مأوي، فقدوا أهلهم وتشردوا، يتسولون الأكل أو يسرقونه، ملايين من النساء تعرضن للاغتصاب، أو اضطررن لممارسة الدعارة للحصول على لقمة، وحال الطرق كانت تمنع مد المدن بالسلع الغذائية، وكانت هناك مدن محرومة من الكهرباء ومن الماء، وكانت الأوبئة سيدة الموقف.

أريد أن أكون واضحًا... هناك حل وحل واحد فقط يقلل جدًّا احتمال الاعتداء على بلد؛ وهو امتلاكها جيشًا قويًّا، لكن تثمين الجيش القوي أمر، وعبادة الحرب أمر آخر. أعرف أن هناك محاربين أوروبيين شاركوا في حروب وصفوا تجربة الحرب باعتبارها تجربة تتيح للإنسان التسامي وتعطي قيم الصداقة والرجولة والشجاعة والشهامة والتآخي مذاقًا، لكن أهوال الحروب تمنعني من مسايرتهم في رأيهم هذا.

الاستعداد للحرب واجب وواجب مقدس، لكن قرار شن حرب أمر مختلف؛ لأنه قرار بدخول نفق مظلم، قرار قد يكون ضروريًّا، ولكنه قرار يتسبب في دمار ووفيات وجروح بدنية ونفسية لا شفاء منها، ولا يوجد ما يضمن لصاحب قرار شنّها أن تكون الحرب محدودة، جراحية، دون خسائر كبيرة في الأرواح. الأسلحة الحديثة فتاكة، وبعضها رخيص للغاية، وتنظيم مقاومة ضد محتل أمر في متناول أغلب الفاعلين وليس كلهم، وصنع قنبلة ليس أمرًا صعبًا.

وحاليًّا، هناك من يرفض التمييز بين العسكريين والمدنيين، ويستهدف الفئتين بالوحشية نفسها، ومنطقه في هذا هو أن «السمارت فون» حوَّل كل المدنيين إلى مشاركين في المقاومة، قادرين على التصوير وعلى تحديد دقيق لمواقع الجيش المحتل.

على المستوى الشخصي، لا أستطيع التسامح مع قائد سياسي قرر شن حرب دون سبب قوي وحقيقي، وفي المقابل أدرس بعنايةٍ تجربة مَن قادوا بلادهم في الحروب وفي أحْلك الظروف، فأصبحوا من رموز بلدهم ومجدها وشموخها، ونجحوا في مخاطبة الشعوب وحشدها وقيادتها، وفي إدارة الحرب والدبلوماسية واللوجستيات، كانوا قادرين على فهم واستغلال نقاط قوة مَن عملوا معهم وشعبهم.


* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية