دون تخطيط مسبق أمضيت جزءًا كبيرًا من الأسبوع الماضي دارسًا خُطب الرئيس ترامب، قارئًا مقالات تتحدث عن مقاربته للإعلام.
وقرأت دراسة ممتازة للمجلس الأوروبي للشئون الخارجية عن سياسته الخارجية، تقول إن أهداف الرئيس في تصريحاته ومواقفه هي تصدُّر عناوين الأخبار، والتربح المادي له ولذويه وبلده، والظهور بمظهر الرجل القوي الجبار. ووفقًا للدراسة، غيّر الرئيس من أسلوب عمل الدولة وصنع القرار فيها، أسلافه كانوا يعتمدون على مستشار الأمن القومي ومجلسه اعتمادًا كبيرًا في التحضير للقرار، يقوم هذا المستشار ورجاله بتنظيم اجتماعات يحضرها ممثلون لكل الإدارات المعنية، لكل منها رأيها ومصالحها وتوجهها، ويُشرف المستشار على الحوار بينهم، ويوفّق بينهم، ويفهم أبعاد المشكلة، ثم يقوم بتحضير ثلاثة خيارات لعرضها على الرئيس الذي يختار منها ما يراه الأفضل.
وتمضي الدراسة لتقول إن الرئيس فضّل تنظيمًا آخر للعمل أضعف مجلس الأمن القومي، وفضّل أن يستمع هو إلى عدة آراء، وفي إدارته وفي حاشيته أربعة تيارات على الأقل، من يريد التقليل من الالتزامات والمغامرات والحروب الخارجية، وكبيرهم نائب الرئيس فانس، ومن يتمسك بمنهج الجمهوريين التقليدي، منهج يؤمن بالهيمنة وبسياسات القوة وبالدور الأمريكي، وأهمهم مارك روبيو مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، ومن يريد التركيز على المنافسة مع الصين وعلى احتوائها ويرى أن هذا يستوجب تقليل التواجد في المسارح الأخرى، وزعيمهم إيلبريدج كولبي نائب وزير الدفاع، هو خبير معروف، وحفيد لرئيس سابق للمخابرات المركزية، لكنه لا يستطيع أن يتواصل مباشرة مع الرئيس. تقول الدراسة إنه مضطر إلى إقناع وزير الدفاع بتبنّي وجهة نظره، وأتصور أنه يستطيع الكلام لصديق قديم هو فانس، وأخيرًا وليس آخرًا هناك مجموعة رجال الأعمال المقربين لترامب وأشهرهم ويتكوف وجاريد كوشنر.
وتتنافس التيارات لتسويق خياراتهم وتوصياتهم أمام الرئيس، يدركون جيدًا ما يريده هو - أن يبدو قويًّا وأن يربح مالًا ويتصدر الأخبار، ويحاولون إقناعه بأن توصيتهم خيرُ ما يلبي هذا الغرض، على عكس غيرها.
وعندما نتابع الأداء الإعلامي للرئيس، نراه ناجحًا في الجمع بين التظاهر بالقرب من الناس - تكثر الصور حيث تراه جالسًا يعمل أو يتكلم في التليفون أو يرأس اجتماعًا أو يصلي أو يداعب الأطفال أو بعض النساء، وبين القدرة على حفظ الأسرار، وميل للتصريحات العنترية. وتلعب السيدة مارجو مارتان، شابة في بداية الثلاثينات من عمرها، دورًا مهمًّا في مد الإعلام، ولا سيما الصديق، بمحتوى وصور وأخبار.
تقول «واشنطن بوست»... تصور مارجو مارتان الرئيس معتمدة على كاميرا هاتفها الآيفون، تُقدّم لنا لمحةً خاطفةً للرئيس وكيف يتصرف خلف الكواليس، والصور تخاطب المشاعر الأقوى التي تحفّز التفاعل على الإنترنت: الشعور بالصدق والأصالة. ويتم بث المحتوى من خلال شبكة واسعة من المؤثرين اليمينيين المعروفين، الذين يستخدمونه في صناعة الميمات ومقاطع البودكاست والبرامج التي تنتشر بسرعة، مما يعزّز علاقة ترامب بأشدّ مؤيديه حماسةً، ويُحافظ على مكانته كشخصية بارزة في الثقافة الشعبية لدى الجميع.
لكنني أتصور أن بعض خطابات الرئيس تُبطل المفعول الإيجابي لعمل مارتان وغيرها، أمضيت يومين مشاهدًا دارسًا لخطاب الرئيس في دافوس، الشهر الماضي، وأميل إلى تقسيمه إلى قسمين، في نصفه الأول جاء كلامه مرتبًا إلى حدٍّ ما واضحًا في حججه التي لم تقنعني، وفي النصف الثاني تدهور أداء الرئيس، وبدا كأنه مُسن خرف وحاقد يردد مقولات واضحة الخطأ ويرددها بإصرار، يتكلم ويعيد الكلام عن ضغائن ويعبر عن أحقاد تبدو صبيانية، ينتقل من موضوع إلى آخر دون أن يكون بينهما رابط منطقي، يقول كلامًا لا علاقة له بالواقع.
أعرف أن الرئيس كان مجهَدًا بعد رحلة جوية طويلة وطالت أكثر من المتوقع لأن الطيارة اضطرت للعودة إلى مطار انطلاقها، والرئيس مُسن وإن نجح عامةً في إخفاء هذا، ومع ذلك يفرض التدهور المفاجئ تساؤلات.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية