في زمن تقاس فيه القيمة العلمية بالمؤشرات والتصنيفات، يطل علينا باحث مصري شاب ليذكّرنا بأن أعظم الاكتشافات لا تبدأ في المختبرات المكلفة، بل في عقل حر يرفض أن يرى العالم كما رُسم له، بل كما هو حقًّا. هذا الباحث هو الدكتور مأمون عثمان محيسن، طبيب أسنان من مدينة الروضة بدمياط، لم يكتفِ بمعالجة الأسنان، بل قرر أن يغوص في جذور المرض نفسه.
_2947_113933.jpg)



بدأت رحلته الحقيقية مع البحث العلمي في قلب واحدة من أشد الأزمات الصحية في التاريخ الحديث: جائحة كوفيد-19.
بينما كان العالم يلهث خلف أجهزة التنفس الصناعي، لاحظ مأمون بدقة نادرة أن المشكلة ليست في فشل الرئة في التهوية، بل في تراكم السوائل الناتجة عن استجابة مناعية مُبالغ فيها.
وفي يونيو 2020، قدم أول تفسير متكامل لآلية تأثير الفيروس على الجسم، وسجل براءة اختراع وطنية حولها.
لكن تلك الملاحظة لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بوابة لمنهج جديد في فهم المرض، فقد اكتشف أن علاج معظم الأمراض المزمنة والمستعصية لا يستهدف السبب الحقيقي، بل يدور في دائرة الأعراض، مما يجعلها “مزمنة” بالفعل، ومن هنا بنى منهجه على ثلاث ركائز:
التجرد الفكري، قراءة التجارب السريرية بكامل تفاصيلها وليس فقط استنتاجاتها، وإعادة استخدام الأدوية المرخصة لعلاج أمراض أخرى (ما يُعرف بـDrug Repurposing).
ومِن ثمار هذا النهج ظهر نظام غذائي علمي جديد تمامًا، لا يعتمد على الحرمان؛ تلك الفلسفة التي فشلت في علاج السمنة والأورام وأمراض التمثيل الغذائي، بل على مفهوم “التعويض المحسوب”.
فبدلًا من حظر أطعمة بعينها، يعيد النظام توزيع العناصر الغذائية عبر معادلات دقيقة تُراعي الحالة البيولوجية للمريض، بحيث يحصل الجسم على ما يحتاج إليه دون إثارة آليات مقاومة أو توتر أيضي.
هذا النظام، الذي سيطلَق قريبًا كتطبيق ذكي على الهواتف المحمولة، موجَّه لمرضى السمنة والسكري وأمراض القلب، بل حتى مرضى السرطان، حيث يشير تحليل أوليّ إلى أن بعض المسارات الأيضية تلعب دورًا حاسمًا في تطور الأورام، وهو لا يقدم “رجيم”، بل إستراتيجية بيولوجية متكاملة قائمة على فهم ديناميكيات الخلايا، وليس على سُعرات حرارية مجردة.
ولا يقف إبداع مأمون عند هذا الحد، فقد سجل أكثر من براءة اختراع، أبرزها براءة دولية تحمل الرقم PCT/EG2025/050038، فى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، وهى عبارة عن نظام وقائي وعلاجي مبكر للأورام الخبيثة تعتمد فكرته الرئيسية على استخدام تأثير دواء صُنع لعلاج مرض معين و يتم استخدام تأثير هذا الدواء فى مرحلة معينة لصنع لقاح لعلاج مرض آخر مختلف تمامًا وهو قيد البحث والتجارب السريرية، وقريبًا سيُنشر فى مجلات علمية.
وبراءة أخرى تتعلق باستخدام إنزيم اليوريكيز لعلاج أمراض مزمنة مثل النقرس، والسكرى وكثير من الأمراض المناعية.
كما طوَّر نظامًا تشخيصيًّا جديدًا، ونظامًا رقميًّا يساعد مرضى العناية المركزة ويقلل الوفيات.
ما يميز «مأمون» ليس فقط ذكاءه الاستثنائي، بل تواضعه العميق، فهو ينسب فضله الأول إلى والدته، المعلمة الفاضلة التي ربّته على الحب والاجتهاد، وإلى معلميه الذين غرسوا فيه حب التفكير المبدع منذ الطفولة.
واليوم، وأنا أتابع خطواته، أشعر بمسئولية كبيرة تجاه هذا الجيل الواعد.
وإن دعمه ليس تفضلًا، بل واجب وطني، فمصر لا تحتاج فقط إلى باحثين، بل إلى مُنظّرين جدد للمرض والشفاء، باحثين يعيدون تعريف “السبب” و”النتيجة” في الطب الحديث.
وعما قريب ستُنشر أعماله في مجلات علمية دولية مرموقة، وسيثبت بإذن الله أن العقل المصري قادر على تقديم حلول عالمية من قلب مشكلاتنا المحلية.
والفضل بعد الله، لعقل لا يعرف المستحيل.
* مخترع الواي فاي السريع وخبير تكنولوجيا الاتصالات