كيف تصبح النجاة الهادئة فعلًا استراتيجيًا في عالم يُعاد تشكيله؟
تبدأ مقاومة الإنسان العادي الحقيقية للأزمة العالمية بإدراك بسيط، أن الحل لا يحتاج دولة أو تدابير معقدة! فليس المطلوب منا فهم كل ما يحدث أو التفاعل معه بذات القوة والاتجاه، بل محاولة منع منظومات المصالح (محليا ودوليا) من السيطرة على جهازنا العصبي وقرارنا اليومي، بمحاولتنا الرجوع لأوليات الطب النفسي والتنمية البشرية المعروفة، ولكننا لا نتفاعل معها بوعي كافٍ، فما الذي يخسره الإنسان العادي فعلًا حين تتضخم الأحداث حوله؟
إن أخطر ما يخسره الإنسان العادي في 2026 ليس دخله أو أمنه أو استقراره، بل قدرته على الفهم المستقل، والتمييز بين ما يُدفع إليه وما يختاره فعلًا، فيتأرجح بين البيانات والمعلومات، بدون رؤية حقيقية لمعطيات الازمة ومستقبل تطورها وموقعه بينهما. فصناعة الازمة العالمية تحولت من لعبة أمم إلى لعبة بشر! لذلك سؤالي كيف للإنسان مقاومة أزمة إعادة تشكيل العالم الجديد؟
تساؤلي للإنسان العادي، المواطن الكوني، الرقم الحقيقي في معادلات الكبار، أيا كان جيله وموقعه في السلم الاجتماعي أو الجغرافي. أخطر أثر للأزمة العالمية هو سحب شعورنا بالمقدرة وسط أمواج الأخبار، التحليلات،الخوف، الاستقطاب، والشعور بالعجز! فالإنسان العادي يتآكل عندما يشعر أنه غير نافع وسط حجم ما يحدث عالميا، بزخم التهديدات، القرارات، الاختراقاتالاقتصادية، المآسي البشرية، تدمير المدن والعملات والموارد، تفكيك النظم والمواثيق الدولية.
تشهد بدايات القرن 21 خصوصا 2025 وبدايات 2026، مرحلة الاضطراب الكبير لإعادة تشكيل الجغرافيا لكتابة تاريخ جديد بدماء ودموع الإنسان العادي، لا مُطلقي الأزمة ومهندسيها وكبار المستفيدينمنها. ففي أزمة كورونا، كنا ننتظر عودة “الحياة الطبيعية” كما كانت بنفس الجغرافيا، والنظم، والمشاعر، والقضايا. أما اليوم، فنحن لا ننتظر عودة شيءٍ ما، بل ننتظر ما بعد ذلك كله! ننتظر عالماً جديداً، عنيفا، لا نعرف شكله، ولا نملك أدوات التحكم فيه! فهي ليست نهاية أزمة، بل بداية نظام جديد، سيدفع ثمنه من لا يملك سوى وجوده البشري فقط!
من هنا فكرت كيف للإنسان العادي قبل أن يفهم فكرة “مقاومة الأزمة العالمية”، أن يفهم “تركيبة موقعه منها”؟ الإنسان الغربي اليوم يعاني تهديد الجغرافيا، تفكك الأسرة، وحدة، هشاشة العلاقات. رجل الشارع يعاني الضياع، القلق، فقدان المعنى، فقدان السيطرة، ضبابية الغد. في حين الإنسان “الشرق أوسطي” يعاصر دولًا متقلبة ومثقلة، اقتصادا ضاغطا، أمانا اجتماعيا ضعيفا، مخاطر يومية مباشرة، صراع هوية وانتماء. مشكلته الواقعية الاستنزاف، عدم الاستقرار،القلق المعيشي، التضخم الممنهج، تآكل الأفق، وبالتالي فهو لا يخاف مما قد يحدث؛ لأنه يعيش بالفعل داخل ما يحدث في أزمات ساخنة، من خطاب تعبوي دائم، استقطاب حاد، خلط الدين بالسياسة بالخوف، أخبار صادمة مستمرة، منصات تُغذي الغضب أو العجز. النتيجة دوامات مستمرة من البيانات وشبه المعلومات تأكل اتزانه الداخلي بدون معرفة حقيقية لما حوله أو ما فيه؟ فالعائلة موجودة، ولكنها غالبًا مُرهِقة، والمجتمع موجود نابض، ولكنه متوتر قلق من اليوم والغد، وبمجاهدة يحاول قراءة المستقبل بعيون التاريخ أو الدين وليس “معرفة معاصرة” محجوبة عنه. لتكون المعادلة، تفريغ الإنسان الغربي من الداخل، والشرق أوسطي تطحنه من الخارج.
ومع ذلك، فهناك طبقة أخرى أعلى بالسلم الاجتماعي للإنسان العادي المتأثر بالأزمة العالمية، من لديه معلومات نوعية أو قراءة عميقة تجعله يرى مخاطرة نظامية قادمة، أو لديه تعرضات خفية كالديون، أو التزامات، أو تشابكات سياسية وسوقية يريد فكها أو التخلص منها بسبب ذعر الأزمة، فيتأرجح بين عدم يقينه منها وبين بحثه عن موقع سيطرة بقرارات غير محسوبة! حتى إنسان هذه الطبقة ولو كان مؤمّنًا ماليًا أو اقتصاديًا في ظل نظم قائمة، إلا أنه يُشارك الإنسان العادي الأسر للبيانات والمعلوماتوقشور معرفة الغد! فيصبح سعيه لمواجهة وضعه داخل الأزمة معرضا لخطورة تدمير الثروات بقرارات الذعر لا الأزمات ذاتها. كل ذلك يجعلنا نستشرف إمكانيات الإنسان العادي الراغب ألا يتحول لمادة خام داخل نظام متحوّل، لم يُصمَّم لأو يُنفذ ليخدم الإنسان العادي، ولكن ليحوله لرقم عالمي في مؤشرات الموارد وسلاسل التوزيع والاستهلاك والضرائب والموارد البشرية.
تبدأ مقاومتنا الحقيقية بسؤال أين أريد أكون في النظام الجديد؟ مجرد رقم مُسير، مؤثر، مُكتفٍ، موجّه؟ هل يمكنني أن أبني شيئًا، أم فقط أتفاعل مع ما يُلقى عليّ؟ هل استهلاكي من معلومات يساعد قراري اليومي أو عملي وعلاقاتي؟ أم يستهلك قدرتي على الفعل؟ أكبر فخ للأزمة العالمية نحتاج أن نعيه، هو أنها تجعل الإنسان يعيش منتظرا “الانفجار القادم”، فيصيبه الشلل التنفيذي نتيجة “خبرته بآثار الأزمة” من بيانات ومعلومات يصيغها صانعيها ذاتهم، فتسقط مقاومته وانتظام دورته الداخلية وسط الحدث العظيم، فلا يرى لنفسه فعلا أو قرارا أو حركة! ليقع وعيه في أحابيل السوشيال ميديا والتضليل الرقمي، الإعلام المسطح والموجه، الدين المُسيس والمُخدر، تجار الأزمات الاقتصادية، لاعبين الجريمة المنظمة، أجندات تفكيك المجتمعات إلخ، فكل نظام عالمي جديد يبدأ بتحطيم انتظام وعي الأفراد بذاتهم والآخرين، ليسهل التحكم فيهم على الرقع والنظم الجديدة.
لذلك لن تكون نجاتنا الشخصية إلا بمحاولة إدراك ووعي أهمية إعادة انتظام حياتنا واستعادة مناطق سيطرة صغيرة ترمم أنفسنا تدريجيا وبهدوء دون الحاجة لإمكانيات ضخمة أو حلول مُكلفة او مستوردة، فالمقاومة تبدأ من تصحيح وعينا بوعي يحدد الأثر المباشر لأزمة كبيرة جدا يضخمها الإعلام ونقع أسراه! فمثلا، يمكننا رصد مصادر محدودة للمعلومات،نتجنب المحتوى الاستفزازي،نخصص وقتا محددا للأخبار من مصدرين موثوقين فقط، نحاول تقليل التعرّض للأخبار الصادمة، ونحظر المحتوى المُحبِط أو التحريضي، ونتجنب الجدل السياسي، وغيرها من تفاصيل حياتية يمكن تتحول لأدوات مقاومة.
فحياتيا، نحتاج مواعيد نوم ثابتة قدر الإمكان، حركة جسدية يومية، نظاما غذائيا مستقرا، ممارسة روتين ثقافي أو اجتماعي ولو بسيطًا، تقليص الكماليات والرفاهيات، تحالفات صغيرة واعية (دوائر فكرية وشبكات ثقة، علاقات ثابتة وآمنة)، خطط قراءة كتب جديدة في التخصص أو مناطق جديدة تناسب تكويننا وثقافتنا، انتظاما دينيا وروحيا ومراجعات دينية وتدبرا معتدلا، مشاركة إنسانية لشبكة علاقتنا خارجيا بأفكار إيجابية.
مهنيا وعمليا، نحتاج حصرا واقعيا لمواردنا وامكانياتنا،تقليل الديون قدر الإمكان، محاولة تدبر دخل إضافي، ادخارا نقديا ولو محدودا، دراسة التوسع والتطوير بحذر، تمتين مصدر العمل الحالي وتحجيم صراعاته، حصر المشاكل وجدولة الحلول وتحجيم المواجهات، ترتيب الملفات القديمة وإدارة تداعياتها بقدر الإمكان، وغيرها من أنشطة نعي إيجابياتها، بعيدا عن إدارتنا بالأزمة لإنهاكنا نفسيا واقتصاديا واجتماعيا،حتى لا نُبتلع نفسيًا داخل النظام الجديد. النتيجة المحتملة هي محاولة السيطرة على هلعنا وتجنب الوقوع في أمل زائف أو جُرأة مُضيعة، فتتحور محاولاتنا تدريجيا من تفاصيل حياتية قابلة للتنفيذ، لأدوات مقاومة واعية.
مقاومة الإنسان العادي للأزمة العالمية حتى تتضح ملامحها، تحتاج منه وعيا مُقنَّنا، قابلية رزق واقتصاد، انتظاما حياتيا، شبكة بشرية حقيقية، مسارا أو معنى شخصيا تجعله قابلا للبقاء دون تحطم، فقدرته على استمرار حركته ومنع انكشافه بالكامل ستكون قيمته الحقيقية في الخروج من الأزمة بأقل قدر من الضرر.
السر الحقيقي لمقاومة الأزمة العالمية هي محاولة إعادة انتظام وعينا تدريجيا بآليات بسيطة عميقة تحفظ استقرارنا الداخلي للإجابة على سؤال: لو ضعفت من يسندني؟ ولو تطورت من يدعمني؟ وفي الحالتين، نحن نحاول نحت وعي مُبسط لإنسان عادي يحاول تحقيق حد إدنى من الحرية والاستقرار والقابلية للحركة داخل عالم يتغير أسرع من وعيه وأعمق من واقعه!
فبقاء الإنسان العادي بأقل قدر من التحطم ليس مجرد نجاة، بل مقاومة إيجابية في زمن تجارة السلبية والخوف.
* محامى وكاتب مصرى