عند مطلع القرن التاسع عشر بدأ تمدد كل من الولايات المتحدة وروسيا، تضُمّان أراضي جديدة باستمرار، وهناك فروق بينهما من أهمها أن الولايات المتحدة لم تخسر أبدا أرضا استولت عليها وضمتها، بينما روسيا خسرت أراضي شاسعة في الحرب العالمية الأولى، ثم خسرت أراضي أخرى عند انهيار الشيوعية في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

وهناك فروق أخرى، الولايات المتحدة دولة ديمقراطية وقوة بحرية، ولا توجد في دول جوارها من يستطيع أن يفكر في الاعتداء عليها، والسيطرة على البحار والأمان يجعلانها قادرة على نقل جيوش كبيرة بعيدا عن أرض الوطن. روسيا دولة استبدادية و”برية” تعرضت عبر القرون لاعتداءات عديدة، وترك هذا آثارا في الثقافة الإستراتيجية، رغم أن امتلاكها لسلاح نووي جعل من المستحيل التفكير في غزو بري لها، ورغم هذا ترى روسيا دائما أن تحقيق أمنها يقتضي التوسع على حساب الجيران والهيمنة عليهم وإخضاعهم.

في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي أدركت قطاعات من النخب الأمريكية أن أفضل ضمان لاستمرار الهيمنة هو قبول المهيمن عليه لها، وعدم إهانة كرامته، وتوفير حماية ومزايا تجعله راغبا فيها. لا أقول إن واشنطن التزمت دائما بهذا النهج، بل لجأت في أحوال وأماكن ومراحل كثيرة إلى القوة الغاشمة والمتوحشة، ولها من السقطات السياسية والأخلاقية ما لها، وبنيتها الرأسمالية دفعتها وربما أجبرتها على ممارسة استغلال كان في أحوال كثيرة قبيحا، ولكنها قامت بتأسيس الأمم المتحدة وبتشكيل نظام ومنظمات دوليين، كما قامت ـ على الأقل فيما يخص أوروبا واليابان وكوريا وأستراليا ـ بتوفير حماية فعالة، دون أن تحاول فرض نظام سياسي معين ولا خيارات وتوجهات محددة مكتفية بإقصاء الشيوعيين إن وجدوا، ولعبت دورا كبيرا في إعادة البناء، وأطلقت عملية توحيد الدول الأوروبية الغربية، وسيطرت على البحار لضمان حرية الملاحة، وأسست حلف الناتو، وقال مصممو هذه السياسات إنها تعبير عن أنانية مستنيرة، أنانية تعرف أن القوة لا تختزل في القدرة على الإيذاء وعلى جمع المال ولا تقتضي ـ والعكس صحيح- إهانة الناس، أنانية تعلم أن التمتع بالشرعية وبمشروع مقبول وبقدرة هائلة على مراجعة النفس والسياسات من عناصر القوة.

في بداية التسعينيات انهار المعسكر الشيوعي، وتصور أنصار المشروع الغربي أنه سيسود العالم للأبد بدون أي منافس يستحق الاهتمام به، ومع نشوة الانتصار فقدوا الحصافة والقدرة على ضبط النفس والتمييز بين ما هو ممكن وما هو غير ممكن، والإنصاف يقتضي أن نقول إن العولمة الرأسمالية أخرجت مئات الملايين من غير الغربيين من دائرة الفقر والمرض، وأن العالم الغربي حاول مساعدة الدول الأخرى على النهوض، وأن دوافعه كانت مزيجًا من الأنانية المستنيرة ومن الجشع المحتاج إلى أسواق ومن الإيمان الساذج بأن نموذجهم مثالي وبأن كل عاقل مقتنع بهذا، وبأن فرضه بكل الوسائل خدمة للبشرية، وتصوروا أن خروج عدد من المجتمعات ـ أهمها الصين- من دائرة الفقر سيقنعها بمزايا الديمقراطية وبضرورة التخلي عن منطق تصفية حسابات الماضي، وتوهموا أن الاعتذار عن كل خطايا وجرائم الماضي كافٍ لمحو آثارها، لم يروا أضرار العولمة داخل مجتمعاتهم وخارجها، ولم يتوقعوا ردود الفعل على التغريب، واستولت الأوهام على مخيلتهم، وفي داخل دولهم سادت قيم وقناعات وممارسات لها ما لها وعليها ما عليها، لكنها كانت منفرة للكثيرين في الداخل والخارج.

وفي كل الدول الغربية تعمقت القطيعة بين المستفيدين والمتضررين من العولمة وما ترتب عليها من تعددية ثقافية داخل المجتمعات تفرض طرح سؤالي الهوية وإمكانية التوافق الوطني، ومن تعميق الفوارق بين الطبقات، وانتخبت الولايات المتحدة رئيسا وتيارا يَرَيان أن الأنانية المستنيرة أكذوبة، وأن أضرار المنظومة الليبرالية أكثر بكثير من نفعها، وأنه آن الأوان لهدمها ولإعادة الاعتبار للأنانية الوقحة، نراه داعما لهذا التوجه في الدول الأخرى، متصورا أن هذا يفيد الولايات المتحدة.


* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية