وسط انشغال العالم في نهايات 2025 وبدايات 2026 بالتغيرات الإستراتيجيةلإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، بأمريكية محاولة إعادة تعريف الواقع، وروسية إطالة هذا الواقع، وصينية إعادة تشكيله دون صدام، وايرانية التغلغل داخله، وإسرائيلية التحكم في سرديته وتحويره، وأوروبية تحويل التاريخ إلى شرعية، وهندية انتظار احتمالات الواقع لما يمكن أن تختاره لاحقًا حين تكتمل قوتها، وكلها رموز تتحاور وتتمحور لتقنين الدعس الاقتصادي والتقني والعسكري على باقي الكوكب! ووسط هذا الزخم والصراعات تقوم حيتان الخليج بتحويل الثروة إلى نفوذ هادئ غير أيديولوجي، يشتغل خارج صراعات الهوية والتاريخ، ويؤثر داخلها! فهو يموّل، يبني، يتحالف، يصنع منصات وقواعد، يشتري وقتا، يغير اتجاهات ويخلق بدائل في إزاحة ومزاحمة ناعمة، تجعله يصارع تغيير معنى الملعب لينضم للاعبون، فيصبح مطمعا وطريدة قبل أن يكون صيادا وقانصا! غير أن هذا الواقع يفرض لمصر بحكم جيوسياستهاأن تعمل جاهدة على تحويل التاريخ لشرعية مستقبلية! القوة الحقيقية لمصر امتلاكها لرأسمال حضاري يسمح لها بتحركات محسوبة بإعادة بتعريف ملفات عديدة، بصورة لا تنافس النظام العالمي الجديد، ولكن تُربك الأساس الرمزي الذي يقوم عليه هذا النظام. ورغم مديونيات مصر، واحتسابها من العالم الثالث، ومحاولات افتراسها بأزمات اقتصادية وسياسية ووجودية، فإن ترتيباتها وتفاعلها وتقاطعها مع خطوط النظام الجاري تشكيله يجعلها تدخل صراع معنى لا قوة، تمكين بدون صدام وردع بدون نيران.
في هذا الصراع العالمي على تعريف الواقع وإعادة صياغته، تدخل مصر ساحة مختلفة تمامًا؟ ساحة المعنى وإعادة تعريفه. لا تبدو معركة مصر فقط على اقتصاد، أو حدود، أو تحالفات، أو موارد، بقدر ما تبدو معركة على المعنى ذاته! على موقعها في السردية التي يُعاد بها ترتيب العالم الجديد. ومن هنا تحديدًا، لا يعود تمثال شامبليون واقعة ثقافية عابرة أو إهانة وطنية فقط، بل يتحول إلى نقطة تماس رمزية بين أوروبا ومصر، بين المعرفة والهيمنة، بين دعس عالمي جديد يتشكل، وبين تاريخ صُودر بالأمس، وشرعية تُراجع اليوم.
فها هو الموقع الرسمي للكوليج دي فرانس ينشر تعديلا لصفحة التعريف بتمثال شامبليون 1875 بإعلان (بعد تعرض التمثال للعوامل الجوية وتضرره الشديد رغم عمليتي ترميم متتاليتين، بات من الضروري نقله لمكان مغطى ومحمي، في متحف كاميل كلوديل (بمدينة نوجان سور سين) والمخصص لنحت القرن التاسع عشر حيث سيتم نقل التمثال في 26 يناير 2026. لن يختفي هذا التمثال الأيقوني تمامًا من ساحة كوليج دو فرانس، بل سيُستبدل بنسخة طبق الأصل مصنوعة من الراتنج، من إنتاج ورشة بروميثي باستخدام قالب من ورشة الطباعة الحجرية التابعة لاتحاد المتاحف الوطنية. وسيتم تركيب النسخة في وسط الساحة في يونيو 2026.وبالتالي، ستكون النسخة الأصلية من عمل أوجست بارتولدي مرئية في المنطقة، بينما ستستمر نسختها في استحضار المكانة الخاصة جداً للعالم الاستثنائي الذي كان شامبليون، في المكان نفسه الذي تم فيه تثبيتها في كوليج دو فرانس منذ أكثر من قرن.)
هذا الاستبدال في حقيقته يتعامل مع “الحفظ” بوصفه فعلًا تقنيًا، ومع “إعادة إنتاج المعنى” بوصفه فعلًا سياسيًا ثقافيًا، بإخراج الأصل مع الإبقاء على الرمز لاستمرار تثبيت رمزية شامبليون! ليكون السؤال هل إزالة الأصل مع إبقاء النسخة، تعني حل الإهانة المصرية والجنوب كله… أم تأبيدها بشكل أنعم؟ خطورة الاستبدال أعمق من الإبقاء؛ لأنه ينقل الإهانة من واقعة ومنحوتة تاريخية إلى نموذج قابل للتكرار. فحين تُستبدل القطعة وتُحفظ الوضعية، لا يُحفظ التمثال، بل يُستنسخ المعنى. وهنا لا تعود المسألة مسألة حجر، بل مسألة إعادة إنتاج شرعية زائفة في هيئة رموز جديدة. وهذا بالضبط ما جرى في ملف الآثار المصرية قبل 1956، فهي لم تُنهَب فقط، بل صيغت نماذج قانونية لإدارة هذا النهب وإعادة إنتاج شرعيته (نظام التقاسم، قانون الآثار 1912، الاقتناء المشروع). واليوم، تُعيد ما يمكن تسميته بالآلية الشامبليونية تفعيل نفسها بصريًا في ساحة كوليج دو فرانس، فحين خرج الأصل وبقيت الوضعية، خرج الحجر وبقيت الشرعية الزائفة.
كتبت بمقالي رقم 60 “لم يكتفِ بارتولدي بتوثيق استكمال شامبليون لتفسير الهيروغليفيةوسيطرة المعرفة على الحضارة في وضعية الحذاء على الرأس الملكي، ولكنه كذلك وثق منهجية سرية لكل من يأتي بعد شامبليون، في كيفية استمرار ذات العلاقة بين السيادة والمعرفة” هذا التوثيق العصري لتطور واقع القوة المعرفية نجده في اقتناص رأس فنزويلا، الصين وتايوان، روسيا وأوكرانيا، مناوشات إسرائيل وإيران، فرنسا في أفريقيا، وغيرها من صور تتوالى على شاشة المشهد الإنساني في بدايات القرن ال 21، وكلها رموز تتحاور وتتمحور لتقنين الدعس الاقتصادي والتقني والعسكري في ذات العلاقة بين المعرفة والسيادة على باقي الكوكب! فيبدل شامبليون مواقعه مع الإبقاء على رمزيته ومعناه، مستمرا بصمت وتمكن، لإعادة تعريف وتشكيل الواقع والتحكم في سرديته. وهذا بالضبط ما جرى في ملف الآثار المصرية قبل 1956، لم تُنهَب آثار مصر فقط، بل صيغت نماذج قانونية لإدارة هذا النهب وإعادة إنتاج شرعيته. واليوم، تُفعل الآلية نفسها بصريًا في ساحة كوليج دو فرانس.
قد يبدو استطراد تقليب البصر في قضية تمثال شامبليون بفرنسا وسط هذا الزخم هدرا للوقت وتغافلا عن واقع يُنحت من جديد، ولكن الحقيقة أنه يرتد لنا البصر حسيرا مما خلفه تجبر قوة المعرفة على حق البشر في الحياة. واقعيا لن توقف قضية شامبليون مقذوفات النظام العالمي الجديد، ولكنها ستكون شاهدة عليه، مُثبتة له، وسندًا لأصحاب الحقوق في إعادة صياغة وتعريف من يملك التاريخ وحق تفسيره؟ ذكرت سابقا أن معركة مصر الجديدة على المعنى ذاته! على موقعها في السردية التي يُعاد بها ترتيب العالم الجديد، على نقل وجودها من داخل منطق “صراع دول” إلى منطق “صراع وظائف ومعاني” بناء سردية مصر الجديدة في حقها واستحقاقها، التي تشارك وتدعم فيها كل الجنوب لإعادة اكتشاف نفسه من جديد، وحقه في إعادة النظر في “الشرعية” المفروضة عليه زمن الوصاية والاحتلال، بتفتيت تحول التاريخ إلى شرعية غير مشروعة!
فإذا كانت فرنسا راجعت وضع التمثال ماديًا بنقله، فهل آن لمصر أن تراجع وضع آثارها قانونيًا بإستراتيجية جديدة لاستعادة آثارها المنقولة قبل 1956، بشهادة التمثال ذاته كدليل مادي على دعس الاحتلال الفرنسي والاستعمار الإنجليزي للقرار والإرادة المصرية لإخراج الآثار المصرية حتى الاستقلال في 1956؟ إن نقل التمثال يؤكد أنه لم يعد “مقدسًا غير قابل للمساس”، ويغيّر وظيفته من “رسالة” إلى “موضوع نقاش”، فمثل الشيء ليس هو الشيء! وهنا تبزغ فرصة مصر الحقيقية من خلال مشروع عاجل يتبناه تحالف من المتحف المصري الكبير ووزارتي الثقافة والآثار، بمباركة اليونسكو، ويُنفذ قبل يونيو 2026، لإهداء فرنسا والكوليج دي فرانس منحوتة جديدة تستلهم شامبليون وحجر رشيد، وتحتل موقع نسخة تمثال 1875 بساحة الشرف بالجامعة، كمصالحة رمزية لا علاقة لها برمزية التمثال القديم، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والسيادة! فيكون استبدال فرنسي باستبسال مصري، وخروج نسخة الأصل 1875 لمحاكمة بارتولدي تاريخيا في موقعه الجديد كعمل فني بحت، وتصبح المنحوتة المصرية/ الفرنسية الجديدة دليلا حقيقا على الروابط المصرية الفرنسية في النظام الجديد، المستعيد لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة،ونبوءة مصرية متقدمة لاحتماليات تصالح السيادة والمعرفة لمصلحة الإنسان، لا السيطرة عليه وقهره بزعم صناعة وتفسير التاريخ لخلق مستقبل جديد.
* محامى وكاتب مصرى