التاريخ بوصلة المستقبل. ومستقبل حاضر لا يحفظ تاريخه أو يُكرمّه، لا يضمن استمرار أو نماء هذا الحاضر ليكون تاريخا مُشرفا يوما ما. كُتب على مصر أن تكون مميزة على مر العصور، فوُجدت وكتبت بقلمها لتعلم البشرية، فكانت أيقونة الكوكب وسجله الغامض، الموثق في معابدها، وجدارياتها، وبردياتها، ومنحوتاتها. مصر طبقات من المعرفة والعلم والأسرار والتاريخ، وأقدم حضارة بشرية وثقت (نُظمًا) حياتية اجتماعية ودينية، وسياسية، واقتصادية ومهنية، وعلمية وصناعية. توثيقًا ماديًا تاريخيًا عظيم الأثر والقيمة والدلالة التي تُرجمت إلى عبارة (الآثار المصرية) على مر العصور من عصر الأسرات وما قبلها وبعدها. ربما مشكلة مصر هي (وجودها) الفارض، الثري، المتخم بالأدلة والرموز والشواهد! وجود مُلزم، قاطع حاسم بلا تشكيك، أو فراغ، أو فجوات زمنية، أو إنسانية. وجود تعرف قيمته الحقيقية عندما تنظرها من بُعد، وتخبر أثره في عيون مُريديها، وحاسديها، والطامعين فيها والمولعين بها.


ومع هذا الزخم والمحيط من كنوز الوجود، والهوية، والتوثيق، وحيازة أكثر من ثلث آثار الكوكب، يطرح السؤال نفسه، لماذا تكتسب مصر وآثارها أهمية خاصة في المجتمع الدولي من القدم؟ يختلف منظور العالم في التعامل مع موقعها الجيوسياسي، ومواردها الطبيعية، وآثارها التاريخية، بداية من قول الإسكندر الأكبر “من أراد أن يحكم العالم، فليبدأ من مصر”، وما نُسب لنابليون من قوله “أنا مَن عرّف أوروبا على مصر، ومصر ستكفيني عن العالم، لأن النار التي أشعلتها في مصر لن تنطفئ”! الفكرة أن قيادة مصر القديمة للعالم القديم من خلال القوة والفتوحات، المعرفة والتقدم، جعلت في المحاولات المستمرة اللاحقة للسيطرة عليها، أو وضعها في مدارات القوة العالمية، ما يجنب إعادة نهضتها أو استعادة رمزية وجودها في قيادة قلب العالم. وعندما نتحدث عن مصر فالمعني بها ليس مجرد الجغرافيا والتاريخ والموارد، ولكنه الإنسان في المقام الأول المستمر على ذات الأرض، ويتعامل مع ميراثها الحضاري ومعطياتها الوجودية. ولذلك فمفهوم محاولات ومخططات السيطرة يتجاوز الأرض للإنسان المصري، الحاملة جيناته لجذور حضارته وقدرته على استعادتها وتجديدها.
لذلك فماذا تمثل رمزية تمثال النحات الفرنسي أوجست بارتولدي، مصورا شامبليون داعسا بحذائه على رأس الملك المصري القديم، في العلاقة بين المعرفة والسيادة وصنع القرار؟ التمثال وثيقة رمزية تساعد على فهم البيئة القانونية والسياسية التي تشكّل داخلها ملف خروج الآثار المصرية قبل استقلال الدولة عام 1956، ويفسر لنا المفهوم الغربي الاستشراقي الحقيقي والواقعي للتعامل مع “مشكلة مصر” كوجود، وحضارة وإنسان! فقيمة بهذه الضخامة والأثر والقوة يجب أن تظل دوما تحت السيطرة، الضغط، الإدارة، التوجيه، فجاء اختيار بارتولدي لرأس الملك، كرمز للدولة ونظام حكمها وقوانينها وصناعة قرارها. ليس صحيحا اختياره للرأس – كالتفسير الأكاديمي – استحضارا لأسطورة أوديب و”أبو الهول” أو لحُكمه بمساحة ومقاس القطعة المنحوتة! المسألة ترجمة فكرية سياسية استشراقية، استوعبت قيمة ومعنى مصر في حقيقة وجودها، وكان التمثال هو البلورة الفنية المُعبرة عن توجهات هذا الاستيعاب العميق لقصة سيادة نُزعت ثم قُنّنت. وبتأمل محايد تماما لمكونات البيئة القانونية المصرية للتعامل مع ملف الآثار المصرية في الفترة من التبعية العثمانية وحتى الاستقلال المصري 1956، سنجد ترجمة قانونية مادية واضحة لهذه العلاقة، بتجسد رمزية تمثال شامبليون في صناعة القانون في مصر، وهو ما سبق عرضه في المقالات السابقة من 56 – 60، فليس كل ما كان قانونيًا كان عادلًا، وليس كل ما وُقّع باسم مصر كان صادرًا عن إرادتها، والقوانين التي كُتبت في ظل هيمنة معرفية استعمارية لا تصنع عدالة، بل تُجمِّل اختلال القوة.
من هنا، وبمنتهى الموضوعية يمكن التساؤل عن كيف ستُعبر الأنباء الجديدة بوجود بوادر التوجه الفرنسي الأخير لنقل تمثال شامبليون إلى متحف مغلق عن فهم المسألة؟ يعكس ذلك موضوعية تاريخية فرنسية في إعادة قراءة التاريخ! فليس مجرد نقل تمثال سيحل مشكلة مصر في إدارتها لملف الآثار المصرية، أو سينعش فيها حس الكرامة والاعتزاز بحضارتها، ولكنه سيعتبر بادرة لعدة أسئلة جديدة مهمة جدا لمنظور الإدارة المصرية 2026 لملف استرداد الآثار المصرية من الخارج؟ منها مثلا 1- عندما نقول إن حجر رشيد خرج 1801، وتمثال نفرتيتي خرج قانونيا عام 1912، فمن كان يملك الحق وقتها في أن يقول “نعم، خُذها”؟ 2- لو كان من سمح بتصدير قطعة أثرية فريدة ليس ممثلًا لسيادة وطنية حرة، فهل يكفي أن يكون فعله ‘قانونيًّا’ ليكون عادلًا؟ 3- لو احتجّت إنجلترا بحيازة حجر رشيد استنادا لاتفاقية تسوية الحرب مع فرنسا عند خروجها من مصر، فهل عدم اشتراك مصر في هذه الحرب أو اعتبار هذا الأثر غنيمة حرب يؤثر على قانونية وجوده بمتحف لندن؟ 4- هل يُعقل أن يكون ‘القانون’ ونظام التقاسم الذي سُنّ في ظل وصاية أجنبية هو المعيار الوحيد لشرعية خروج رموز هويتنا؟ 5- إذا كان الشعب المصري لم يُمثّل بحرية في إدارة شؤونه قبل 1956... فكيف نعتبر أن تصرّفاته في تراثه ‘مطلقة الشرعية’؟ 6- ما الفرق بين من يبيع بيت جدّه وهو تحت التهديد... ومن يسلّم تمثال نفرتيتي وهو تحت الوصاية؟ 7 - هل اتفاقية اليونسكو 1970 كانت وسيلة لحماية التراث... أم تحولت عمليا لتطبيع ما سُرق قبلها؟ 8 - هل مصر ملزمة بقبول أن ‘القانون القديم’ يغلق باب العدالة... حتى لو كان ذلك القانون نفسه ثمرة وضع غير عادل؟ 9- هل كرامة الأمة تُقاس بما تملكه من آثار في أرضها ومتاحفها... أم بما تملكه من حق في ذاكرتها؟ 10 - هل تريد مصر أن تكون مجرد دولة تسترد تماثيل وآثارَا... أم دولة تُصلح مفهوم العدالة الثقافية في العالم؟
وبالتالي ماذا لو أتيحت الفرصة لمصر لإعادة كتابة التاريخ؟ إن التوجه الفرنسي لنقل تمثال شامبليون من موقعه (وليس تدميره أو تعييبه)، يفتح لمصر - ولي كباحث وقانوني ومصري – باب محاولة الإجابة على الأسئلة السابقة وغيرها كثير، فنهايات مقالاتي عن شامبليون ومحاولات الكثيرين الغيورين على مصر في حل هذه المسألة (حتى تنجلي)، وتوسم الموضوعية الفرنسية في استيعاب وجهة نظر مصر، يجعلنا نتدبر مستقبلا جديدا ومختلفا لإدارة ملف الآثار المصرية التي خرجت حتى 1956. فمصر الجديدة، ورؤية 2030، والمتحف المصري الكبير الجديد، يطالبوننا ليس فقط بتطوير محاولات استعادة “تمثال” أو “حجر”، بل بتفكيك المُسلَّمة القانونية الاستعمارية التي جُرّدت مصر (ومعها كل الجنوب العالمي) من خلالها، من حقهم في إعادة النظر في “الشرعية” المفروضة عليها زمن الوصاية والاحتلال. إن إعادة قراءة وكتابة التاريخ بموضوعية قانونية، ستسمح بأن نستوعب جيدا أن الاستسلام لمنطق “الشرعية التاريخية” التي صاغها وهندسها الغرب (عبر قانون 1912، نظام التقاسم، وحتى اتفاقية اليونسكو 1970 ذاتها!) هو استسلام للفخ، الذي صُمّم خصيصًا لـتجميد الماضي الاستعماري كواقع لا يُنازع! فمصر الجديدة لا تطالب بآثارها فقط، بل تطالب بحقها في تصحيح تاريخ كُتب بغير يدها.
الرحلة طويلة ورفاقها كُثر، وستجيب على سؤال لماذا فشل دفاع مصر عن آثارها؟ الإجابة تبدأ من تمثال في السوربون! قد تكون الفكرة صادمة وتمس زخما من المصالح والاعتبارات والتوازنات والسياسة الدولية، ولكن مصر الجديدة هي الامتداد الطبيعي لمصر القديمة، والغفوة لا تمنع الصحوة، وطالما لدينا تاريخ حقيقي، فبوصلة مستقبلنا حتما تهدينا لما نستحقه، بشرط رؤيته على حقيقته. البداية، كيف ومتى ولماذا نُعيد تعريف مفهوم وصور ‘المشروعية’ في التراث؟ ليس وفق من سمح بخروجه، بل وفق من يملك حق حمايته وملكيته الحقيقية؟
وهذا مشروع 2026 وما بعدها بإذن الله.
* محامى وكاتب مصرى
[email protected]