لا يمثل الغش التجاري مجرد مشكلة تتعلق بجودة سلعة أو خسارة مستهلك، بل أصبح أحد أخطر التحديات الصامتة التي تواجه الاقتصادات الناشئة، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الأدوية، والكيماويات، والمنتجات الزراعية والغذائية.
تشير تقديرات دولية إلى أن الغش والتقليد يكلفان الاقتصاد العالمي ما يزيد على 500 مليار دولار سنويًّا، ليس فقط في صورة خسائر مباشرة للشركات، ولكن في تراجع الثقة، وتشويه السمعة، وزيادة الأعباء القانونية والتنظيمية على الدول. وفي الأسواق الناشئة، تكون الكلفة مضاعفة؛ لأن أي خلل في الثقة ينعكس فورًا على الاستثمار والتصدير.
المشكلة الأساسية في الغش التجاري، اليوم، لم تعد في المنتج نفسه، بل في غياب القدرة على التتبع. فمع تعقّد سلاسل الإمداد وتعدد خطوط الإنتاج وتداخل عمليات النقل والتخزين، يصبح من الصعب التحقق من مصدر كل وحدة إنتاج، أو التأكد من سلامتها عند وصولها إلى المستهلك النهائي.
في قطاعات مثل الأدوية والمبيدات، لا يقتصر أثر الغش على خسارة اقتصادية، بل يمتد إلى مخاطر صحية وأمنية مباشرة. فمنتَج مغشوش واحد قادر على تقويض ثقة السوق بالكامل، حتى لو كانت غالبية المنتجات أصلية. وهنا تتحول المشكلة من “حادثة فردية” إلى أزمة قطاعية.
اقتصاديًّا، تدفع الشركات الملتزمة ثمنًا مضاعفًا، فهي تخسر حصتها السوقية أمام منتجاتٍ أرخص ومغشوشة، وتتحمل، في الوقت نفسه، مسئولية قانونية وأخلاقية عن أي ضرر يلحق المستهلك، حتى لو لم تكن طرفًا في عملية الغش. أما الدولة، فتخسر ضرائب، وفرص تصدير، وسمعة تجارية بَنتها على مدى سنوات.
خلال السنوات الأخيرة، بدأ العالم يتجه إلى حلول تكنولوجية أكثر تقدمًا لمواجهة هذا الخطر، تعتمد على التكويد الذكي والتتبع الرقمي لكل وحدة إنتاج، بدلًا من الاكتفاء بعلامات ظاهرية يسهل تقليدها. الفكرة الأساسية في هذه النماذج هي الانتقال من “التحقق الشكلي” إلى “الهوية الرقمية” للمنتج، بحيث تصبح كل عبوة قابلة للتحقق منها بشكل مستقل وفي أي وقت.
أهمية هذا التحول لا تكمن فحسب في حماية المستهلك، بل في حماية الاقتصاد المنظم نفسه. فكلما زادت قدرة السوق على كشف الغش بسرعة، تراجعت جدواه الاقتصادية، وتحولت المنافسة مرة أخرى إلى الجودة والابتكار بدلًا من التحايل.
وفي هذا السياق، تبرز فرصة حقيقية أمام الاقتصادات التي تستثمر مبكرًا في منظومات مكافحة الغش القائمة على التكنولوجيا، ليس فقط لحماية أسواقها الداخلية، بل لتقديم نماذج قابلة للتصدير إقليميًّا، خاصة في مناطق تعاني التحديات نفسها.
الغش التجاري لم يعد مشكلة أخلاقية فحسب، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على حماية نفسه. ودون أدوات ذكية وشفافة، سيظل هذا الخطر يعمل في الظل، مهدِّدًا الثقة، قبل أن يهدد الأرباح.
* مخترع الواي فاي السريع وخبير تكنولوجيا الاتصالات
الغش التجاري... الخطر الصامت على الاقتصاد الحقيقي