هذا هو مقالي الستون منذ ديسمبر 2022 في موضوع (نُسخ) تمثال شامبليون بفرنسا، ومع اقتراب خاتمة 2025 أتساءل: هل توقفت رمزية حذاء شامبليون على هامة الملك المصري القديم، عند أثرها على كرامة مصر والمصريين ووعيهم الجمعي، أم أن لها أبعادًا أخرى أعقد وأعمق؟ وهل القضية مجرد انزعاج عاطفي وشعوري للمصريين من رمزية الإهانة وعار الدعس، أم أن القضية هي ربط تاريخ النحّات ورمزية التمثال ورسالته الفنية بظروف تاريخية وقانونية مصرية (قديمة ومعاصرة)، تُضاعف من خطورة وجوده ورمزيته؟ وهل بإقصاء فرنسا للتمثال من موقعه أو استضافته في متحف صانعه أو أي متحف آخر، حل للقضية ونصر لمصر والمصريين؟ أم أن رمزية التمثال (أيًّا كان عدد نسخه أو مواقع نَصْبه) لها دلائل مؤثرة على حق مصر في استرداد آثارها المنهوبة قبل استقلالها 1956؟
تمثال شامبليون لا يُجسّد عالمًا يقرأ لغة حضارة، بل حذاءً يقف فوقها كرمز تشكيلي للمنهجية القانونية والإدارية التي شرعنت نهب الآثار المصرية لاحقًا. لم يضع بارتولدي قدم شامبليون على رأس الملك صدفة، بل كإعلان رمزي عن انتقال السيادة من حضارة حيّة إلى معرفة استعمارية تدّعي امتلاك الماضي وتفسيره، فجاء تمثال معرفة بلا تواضع، وانتصار بلا اعتراف. فهو يمثّل لحظة تاريخية تم فيها نقل سلطة المعنى من الحضارة المصرية (كذاتٍ) إلى الباحث الأوروبي (كمفسّر ومالك للقراءة).
لذلك، لم يعد التمثال مجرد هدف قانوني، بإزاحته يهدأ معها الغضب المصري لرد كرامته! بل إن حقيقة التمثال هي كونه أداة كشف لكيفية تشكّل الإطار الذهني/ القانوني الذي جرى داخله لاحقًا نقل الآثار المصرية خارج مصر. فالمشكلة لا تتعلق فحسب بتمثال شامبليون كإهانة بصرية، بل كـتمثيل مصوّر للعقلية القانونية والهيكل الإداري الاستعماريالذي ساد منذ مارييت حتى الاستقلال المصري الشكلي 1922، ثم الفعلي 1956.
ورغم أن تمثال شامبليون ليس بأثر مصري، وصناعة فرنسية قديمة، ولا يدخل قانونًا ضمن ملف استرداد الآثار المصرية، لكنه يحمل رمزية معرفية وسيادية كثيفة جعلته يخرج عن كونه مجرد موضوع نزاع يحل باختفائه ليكون مرآة واقعية تُوثق اختلال العلاقات المصرية الأوروبية والفرنسية في حقبة تاريخية معينة، وتمهد لتصميم وصياغة الآليات المقنّنة لشرعنة خروج الآثار من مصر، وهي الآليات التي يترجمها حرفيًّا وضعية تمثال شامبليون، ليكون أول ربط بين “الهيمنة الثقافية” و”البيئة القانونية المصرية”.
لم يكتفِ بارتولدي بتوثيق استكمال شامبليون تفسير الهيروغليفية وسيطرة المعرفة على الحضارة في وضعية الحذاء على الرأس الملكي، ولكنه كذلك وثّق منهجية سرية لكل من يأتي بعد شامبليون، في كيفية استمرار العلاقة نفسها بين السيادة والمعرفة (فبارتولدي لم يُعبر عن واقع معرفي/ سياسي فحسب، بل مهد لصنع واقع قانوني جديد)، وهذا ما تجلّى في استمرار الوضعية الفوقية للمعرفة الفرنسية والأوروبيةفوق الأرض والإرادة المصرية حتى استقلال مصر 1956. هذه الوضعية تظهر بوضوح في سيطرة وقيادة (المعرفة الفرنسية/ الأوروبية) في صنع القرار المصري، بداية من مصلحة الآثار المصرية منذ نشأتها، لجان التفتيش، نظام ولجان التقاسم، الخبراء الفنيين، تراخيص التنقيب وخروج القِطع، الخبراء الميدانيين، صياغة قانون الآثار 1912. باختصار تم استمرار وضعية الحذاء الشامبليوني (في تفعيل قراءة التاريخ وآثاره واستغلالها) على رأس الإرادة والقرار المصري وقتها، لتكون النتيجة بيئة قانونية إدارية مصرية مكتوبة بيد وقلم وتنفيذ المعرفة الفرنسية.
تظهر أهمية التحليل السابق في تبنّي الدفاع المصري الآليات القانونية القديمة نفسها في مطالبتها باسترداد آثارها من الخارج منذ 2003 حتى الآن، وهو ما سبق أن ذكرت أهمية إعادة صيغة منهجية ومنهج دفاع مصر طبقًا لفهم طبيعة أثر العلاقات التاريخية، والسياسية، والإدارية على صياغة وتطبيق الآليات المذكورة، تفعيلًا لفكرة أن النص ابن الرمز.
في رمضان 2024، تقدمت إلى إحدى الجهات المصرية بملف عن وجهة نظري في إبعاد قضية تمثال شامبليون، ضمّنته مجموعة مقالاتي، نُسخة من محاضراتي عن الموضوع بمصر وخارجها، قائمة بالأضرار الواقعة على مصر منه، ووجهة نظري في أهمية تصدي الدولة له بمنظور مختلف. وبعد شهرين تقريبًا (وقبل زيارة الرئيس ماكرون)، أُبلغت بأنه تمت دراسة الملف بمنتهي الموضوعية، وصدر قرار بإحالته لرئاسة الجمهورية للعرض والتصرف (كتحرك رسمي لأول مرة من 150 سنة). بعد عطلة عيد الأضحى 2024 تلقيت اتصالًا من صديق عزيز أسرّ له مسئول فرنسي رفيع بالقاهرة، بأن هناك توجهًا فرنسيًّا حديثًا لحل مسألة تمثال شامبليون، بعد استمرار تصعيد الوضع ضده بمصر خلال السنتين الأخيرتين، بتحول الموضوع من غضب عاطفي تحتويه فرنسا بالتبريراتالثقافية، إلى بوادر أزمة قانونية ثقافية دولية لا يريدها الطرفان! ومن يومين صادفت فيديو للأستاذ هشام جاد بفرنسا يعلن فيه إبلاغه من أحد النافذين بالكوليدج دي فرانس بالعزم على نقل التمثال من موقعه بساحة الشرف بالجامعة إلى أحد المتاحف الفرنسية، وأنه - أيْ جاد - تواصل مع هذا المتحف، ومتوقع نقل التمثال له في مارس 2026.
أرجو وأدعو بصدق هذه المعلومة، التي تكشف - إن صحت - عن التقدير الفرنسي الحقيقي لمصر، واستعادة فرنسا مبادئ الثورة الفرنسية في تعاملها معنا بحرية وإخاء ومساواة في الكرامة والاحترام. كما أرجو أن يكون في نقل التمثال - بغض النظر عن السبب والمُسبب - علامة مصرية وللمصريين بأنه ما ضاع حق وراءه مُطالب. وأن تغيير المنظور في الدفاع والإستراتيجيةيمكنه تغيير النتائج أيضًا. أما في حالة عدم صحة الخبر واستمرار إقامة شامبليون في السوربون، فلندعه شاهدًا حيًّا على المفتاح الجديد لفهم وتأصيل العلاقات الفرنسية/ المصرية في ملف الآثار، وداعمًا أصيلًا لتصميم الإستراتيجيةالقانونية المصرية الجديدة في استرداد آثارها من الخارج.
سيظل تمثال شامبليون لأوجست بارتولدي أحد أهم الألغاز الفنية التاريخية،والثقافية، والسياسية التي تُرجمت رمزيتها الفنية في آليات قانونية أثرت في مصر حتى الآن. ولعل 2026 ستشهد تغيرات حقيقية في الوعي القانوني المصري/ الفرنسي/ الأوروبي، لإعادة توصيف المشروعية القانونية لتصرفات نقل الآثار المصرية إلى الخارج قبل عام 1956، وهو ما يُلزمنا بشكر النحات بارتولدي على استنهاض همة المصريين لدحض فريته الشامبليونية،وكشفه للبارتولديين، ومنْحنا المفتاح الذهبي لاستعادة حقوق مصر في المطالبة برأس نفرتيتي وحجر رشيد والزودياك وحم إينو وتيجان الكرنك وغيرها كثير! إن حل أو تعليق مسألة شامبليون لا/ لن يغلق الملف، بل سيفتحه على مسارات جديدة، ولو احتاجت لـ60 مقالًا جديدًا. فالبحث يمكنه التنبؤ بالمستقبل، ولكن ليس كل الناس يحبون الحقيقة!
* محامى وكاتب مصرى