لم يعد النظام الدولي الحديث قائمًا على مبدأ التفويض الشعبي، رغم استمرار طقوس الديمقراطية كواجهة آمنة. فخلف البرلمانات المنتخبة، والحكومات التي تتعرض لضغط الرأي العام، ظهرت طبقة جديدة من صانعي القرار لا تحتاج إلى انتخابات، ولا تتحمل كلفة المحاسبة: الخبراء.
\nهذه الفئة - اقتصاديون، علماء بيانات، محللون أمنيون، ومهندسو شبكات - أصبحت صاحبة الكلمة الفصل في ملفات مصيرية: أسعار الفائدة، قواعد الذكاء الاصطناعي، أمن الطاقة، إدارة الطيف الترددي، وهندسة شبكات الاتصالات العابرة للقارات.
\nتتحرك في غرف مغلقة، وترفع توصيات تحمل وزن “قرار دولة”، بينما لا يعرف الجمهور حتى أسماء المشاركين فيها.
\nالمفارقة اللافتة أن العلم لم يُستخدم هنا كوسيلة معرفة، بل كسلطة سياسية موازية. وكلما ازدادت تعقيدات الاقتصاد الرقمي، أصبح السياسي المنتخب أقرب إلى “واجهة علاقات عامة”، بينما يُصاغ القرار في مؤسسات استشارية، ومراكز تمويل أبحاث، وشركات عابرة للحدود تصنع قواعد اللعبة الرقمية.
\nالمشكلة ليست في الخبراء بوصفهم “مؤهلين”، بل في منحهم سلطة تُمارَس خارج أي عقد اجتماعي. فالديمقراطية تقوم على مبدأ قديم:
\nمن يحكم تدفع له الضرائب ويخضع للرقابة.
\nلكن في النموذج الحالي، يحدد خبير مالي مجهول مصير مئات الملايين من المدّخرات، أو يقرر مهندس خوارزميات شكل الفضاء العام، أو تصوغ لجنة غير منتخبة قواعد الذكاء الاصطناعي التي تعيد تعريف العمل والخصوصية والأمن.
\nيُبرّر ذلك تحت عنوان “حكم الكفاءة”، لكن التجربة تكشف وجهًا آخر: سلطة بلا مراجعة.
\nتشير تقديرات اقتصادية حديثة إلى أن أقل من 10 شركات فقط تتحكم في العمود الفقري للعالم الرقمي: أربع شركات تسيطر على الحوسبة السحابية عالميًّا، وثلاث شركات تتحكم في أنظمة التشغيل المحمولة، وشركة واحدة تمتلك قرار تغيير خوارزميات التواصل لأكثر من 3 مليارات مستخدم. هذا النفوذ لا يخضع للتصويت، بل للبورصة. فالخبراء يعملون غالبًا وفق مصالح مموّليهم، لا وفق إرادة المصوّتين. وتتحول “المعرفة” من أداة تنوير إلى آلية احتكار.
\nالأنكى أن الحكومات الضعيفة اقتصاديًّا تجد نفسها مضطرة للاستعانة بهذه النُّخب التقنية حفاظًا على “ثقة الأسواق”، وكأن الدولة كيان تابع لبورصة لا لمجتمع.
\nهنا يظهر السؤال الجوهري للنظام الدولي:
\nمن يملك شرعية صنع القرار؟ المجتمع أم أصحاب التخصص؟
\nفي قضايا الذكاء الاصطناعي، لا أحد انتخب الشركات التي تجمع البيانات وتعيد هندسة الوعي الجمعي.
\nفي سياسات الطاقة، لا أحد انتخب مكاتب الاستشارات السيادية التي تحدد أين تُبنى المصافي، وإلى من تُباع الإمدادات.
\nوفي الاتصالات، يمكن لقرار واحد يتعلق بتوزيع الطيف الترددي أو بنية الشبكات أن يعيد رسم الاقتصاد الرقمي لأقاليم كاملة، دون نقاش نيابي أو إعلامي.
\nالخطر الأكبر ليس الاستبداد العلمي، بل تفريغ السياسة من مضمونها الشعبي. فحين يصبح الحكم اشتقاقًا من “الجدارة التقنية”، تتحول الديمقراطية إلى طقس انتخابي بلا جوهر، وتغدو المجتمعات مجرد مستهلكين لقرارات صِيغت بعيدًا عنهم.
\nلا يسعى هذا المقال إلى شيطنة الخبراء؛ فالعالم يحتاج إليهم، لكنه يضع قاعدة بسيطة:
\nالمعرفة دون مساءلة تتحول إلى نفوذ، والنفوذ دون شرعية يتحول إلى سلطة صامتة.
\nوإذا لم تحلّ النظم الدولية معضلة “المسئولية”، فسوف نستيقظ على واقع جديد:
\nسياسات تُصنع لمصلحة المختبرات ومراكز التمويل، لا لمصلحة الشعوب.
\nوباختصار:
\nحين تفقد السياسة قدرتها على ضبط الخبراء، تصبح الديمقراطية نفسها مشروعًا معلقًا.
\n* مخترع الواي فاي السريع وخبير تكنولوجيا الاتصالات
حاتم زغلول